الرسالة الأخيرة إلى الشقة المغلقة

وصل الظرف الأول بعد 3 أيام من إغلاق الشقة رقم 7، ثم وصل ظرف كل خميس طوال عام كامل.
لم يكن في الأمر ما يلفت نظر ساعي البريد. الناس ينسون تغيير عناوينهم، والرسائل تتأخر، وأسماء المستأجرين تبقى على الصناديق المعدنية سنوات. لكن هناء، موظفة الأرشيف في البلدية، كانت تعرف أن الشقة لم تكن مجرد مكان خالٍ. كانت آخر عنوان رسمي للمهندس ياسر النجار، الرجل الذي اختفى قبل أن يسلم ملف ترميم العمارة القديمة.
في الخميس الأول من أكتوبر، وجدت هناء ظرفاً كريمياً تحت الباب أثناء زيارتها لمعاينة شقوق السلم. لم يكن عليه طابع بريد، بل كُتب العنوان بخط دقيق: «إلى من لا يزال يعدّ النوافذ».
توقفت عند العبارة. في ملف الترميم ملاحظة غريبة كتبها ياسر قبل اختفائه: «عدد النوافذ في المخطط أقل بواحدة من الحقيقة».
أخذت هناء الظرف إلى حارس العمارة، عماد، وسألته إن كان أحد يدخل الطابق.
قال وهو يدير سلسلة المفاتيح حول إصبعه: «الباب مختوم. لا أحد يدخل.»
أشارت إلى الضوء الرفيع تحت الباب.
نظر إليه لحظة، ثم ضغط مفتاح الممر. انطفأ الضوء.
قال: «انعكاس من المصباح.»
لكنه لم يكن انعكاساً. كان الضوء قد انطفأ من داخل الشقة قبل أن يلمس عماد المفتاح.
الظرف الذي لا يحمل رسالة
فتحت هناء الظرف في مكتبها بحضور زميلها فؤاد. لم تجد ورقة، بل قصاصة شفافة رُسم عليها مستطيل صغير و8 نقاط. وضعها فؤاد فوق مخطط العمارة مصادفة، فتطابق المستطيل مع الجدار الفاصل بين الشقة 7 ومستودع السلم، واستقرت النقاط فوق مواضع النوافذ.
كانت هناك نقطة ثامنة خلف الجدار.
قال فؤاد: «قد يكون مجرى تهوية.»
أخرجت هناء صورة الواجهة. سبع نوافذ ظاهرة. ثم صورة جانبية التقطت من سطح المبنى المقابل، وفيها شريط زجاجي ضيق لا يظهر من الشارع.
راجعت سجل الملكية. لم يذكر غرفة إضافية. راجعت تصاريح البناء القديمة، فوجدت رقماً ناقصاً بين صفحتين: الملحق 14 غير موجود، بينما يبدأ الملف التالي بالملحق 15.
في الخميس التالي انتظرت قرب الدرج منذ الفجر. لم يصعد أحد. عند 7 تماماً، سمعت احتكاكاً خلف جدار المستودع. وبعد دقيقة ظهر الظرف تحت باب الشقة.
لم يأت من الممر. دُفع من الداخل.
بقيت هناء على الدرجة حتى صار ضوء الصباح كافياً لرؤية حواف الظرف. لم تمد يدها إليه فوراً. نظرت إلى عماد عند أسفل السلم؛ كان يمسح الزجاج نفسه للمرة الثانية، ويدير وجهه كلما التقت عيناه بعينيها. سألته إن كان يسمع الآلة. قال: «المواسير تصدر أصواتاً في الصباح.» لم يقل هذه المرة إن الشقة لا يدخلها أحد.
في البلدية وضعت هناء الظرف والمخطط والصورتين على مكتب رئيس القسم. قال إن ملف الترميم يخص الشقوق، وإن النافذة الزائدة يمكن تسجيلها في زيارة لاحقة. فتحت هناء صفحة التصاريح عند موضع الملحق المحذوف. سألته كيف يمكن للمهندس أن يسجل أن مساحة ما آمنة وهو لا يعرف حدودها. أعاد إليها الملف، وطلب تقريراً محدداً يبين سبب الدخول، لا حكاية عن رسالة غامضة.
أزعجتها لهجته، لكنها كتبت التقرير كما طلب. وصفت اختلاف المخطط عن الواجهة، والجدار الذي يخفي مساحة غير مفحوصة، واحتمال أن يكون مسار الخدمات متصلاً بالسلم. لم تذكر شعورها بأن العمارة تستدرجها. حين انتهت، كان السبب الذي يصلح لفتح الباب أقوى من الشعور الذي جعلها تصر عليه.
مساءً اتصل بها فؤاد. وجد في فهرس قديم اسم الملحق 14: «تعديل إشغال الغرفة الشرقية». طلبت منه صورة الصفحة، وحفظتها مع نسخة من التقرير خارج الملف الأصلي. بعد دقائق أرادت الاتصال بياسر على الرقم الموجود في الأوراق. كان الهاتف مغلقاً. كتبت رسالة تسأله عن الغرفة، ثم أبقتها مسودة. لم تعرف بعد من يقرأ رقماً تركه رجل خائف وراءه.
المفتاح الذي يفتح نصف الباب
رفض عماد فتح الشقة من دون أمر رسمي، وكان محقاً. حصلت هناء على إذن دخول لمعاينة خطر إنشائي، وجاء مهندس آخر وموظف قانوني. فتح عماد الختم أمامهم، ثم أدخل المفتاح. تحرك القفل، لكن الباب توقف بعد شبر كأن خزانة تسنده.
تسللوا من الفتحة بعد دفع الأثاث. كانت الشقة مغطاة بالغبار، باستثناء ممر ضيق يمتد من الباب إلى المطبخ. في نهايته، وجدوا خزانة مثبتة على عجلات، وخلفها باب ضيق بلا مقبض.
طرق المهندس الجدار. كان الصوت أجوف.
فتحوا الباب بأداة بسيطة، فظهر ممر بين جدارين، لا يتسع إلا لشخص واحد. كان ينتهي بغرفة لها النافذة الثامنة. داخلها طاولة ومصباح وبطارية صغيرة ورفوف من الملفات.
لم يكن ياسر هناك.
كانت هناك آلة توقيت بدائية تدفع ظرفاً كل أسبوع عبر أنبوب يصل إلى فتحة قرب باب الشقة. وبجوارها جدول توزيع لـ52 ظرفاً مرتبة حسب التاريخ. بقيت في الحامل بضعة أظرف، بينها الأخير، وعليه عبارة «إلى موظف الأرشيف».
قال فؤاد: «كان ينتظر أن ينتبه أحد في الأرشيف.»
فتحت الظرف. هذه المرة كانت فيه رسالة.
«إلى موظف الأرشيف الذي سيلاحظ الملحق المفقود: الغرفة ليست السر. السر هو سبب حذفها.»
السجل الذي أُعيدت كتابته
أشارت الرسالة إلى دفتر صيانة محفوظ في قبو البلدية. عادت هناء إلى الأرشيف القديم، حيث السجلات التي لم تُرقمن بعد. وجدت دفتر العمارة، لكن صفحاته الأخيرة كتبت بحبر أحدث من الغلاف بعقود. تحت ضوء جانبي ظهرت آثار كلمات ممسوحة: أسماء عائلات كانت تقيم في غرفة الخدمة الملحقة عندما تحولت العمارة مؤقتاً إلى سكن للعمال.
لم تكن الغرفة خطأ هندسياً. كانت دليلاً على سكان لم تُسجل عقودهم، ثم أُزيلت أسماؤهم عندما بيع المبنى. وقد بدأ ياسر البحث بعدما لاحظ اختلاف النوافذ.
بحثت عن الأسماء في فهارس الحي. ظهر اسم أمينة مراد على بطاقة قديمة لاستلام مواد صيانة، وبجانبه عنوان مختلف. ذهبت إليه في نهاية يوم العمل. فتحت لها امرأة مسنة الباب، وبقيت واقفة حين سمعت اسم العمارة. لم تسأل عن المال ولا عن المالك؛ سألت: «هل ما يزال الزجاج الأصفر في النافذة؟»
قالت هناء إن الغبار يخفي لونه. أدخلتها أمينة، وأحضرت علبة بسكويت فارغة فيها صور وأزرار ومفتاح صغير. في صورة باهتة كانت تقف إلى جوار أخيها، وخلفهما طرف النافذة نفسه. قالت إن أمها كانت تعلق قطعة قماش عند الزجاج لأن الضوء يقع على السرير في الصباح، وإنهم كانوا يأكلون على صندوق خشبي يُعاد ليلاً إلى جوار الموقد.
سألت هناء عن عقد الإقامة. وضعت أمينة المفتاح على الطاولة وقالت إن والدها تلقى ورقة عند المغادرة، لكنه لم يعرف أنها تصف المكان كمستودع حتى حاول استخدامها لإثبات عنوان الأسرة. بحثت في العلبة عن نسخة فلم تجدها. اعتذرت كأن فقدان الورقة يجعل البيت أقل حقيقة.
أرتها هناء صورة الغرفة. مدت المرأة إصبعها إلى بقعة قرب الحائط، وقالت: «هنا كنت أقف كي أتعلم الضفيرة من أمي. المرآة كانت صغيرة، وكانت أمي تقف ورائي.» سجلت هناء الجملة بإذنها، ثم التقطت صورة للصورة القديمة. في طريق العودة لم تعد تعد النوافذ. كانت تحاول تذكر عدد الأشخاص الذين أمكن للغرفة أن تضمهم، وعدد المرات التي قيل فيها لهم إن أوراقهم غير كافية.
في أحد الملفات وجدت هناء إيصالاً حديثاً لاستئجار صندوق أمانات، باسم شركة لم تعد موجودة. وقّع المستلم بحرفين يطابقان توقيع ياسر المختصر.
اتصلت بالمصرف عبر القناة القانونية. لم يحتوِ الصندوق على مال، بل نسخ مصورة من العقود وشهادات 4 أشخاص مسنين، ورسالة صوتية مسجلة على ذاكرة صغيرة.
قال صوت ياسر: «إذا وصلتم إلى هنا، فأنا لم أختفِ بسبب الغرفة. انسحبت لأن شخصاً داخل الإدارة كان يحذف كل نسخة أقدمها. احتجت إلى سنة كاملة كي تنتقل الملفات إلى أكثر من جهة، وكي يصبح حذفها جميعاً مستحيلاً.»
ذكر أنه غادر المدينة بعد تلقي تهديد، وأنه سيتواصل عندما تُفتح مراجعة رسمية محمية.
لم تفتح المراجعة بمجرد سماع التسجيل. تلقى فؤاد طلباً بإعادة الوثائق إلى المخزن إلى أن يتحدد صاحب الاختصاص، ووصل إلى هناء اتصال يسألها لماذا تثير نزاعاً قديماً في مبنى ينتظر الترميم. لم تعرف المتصل، ولم تنسبه إلى أحد. كتبت وقت الاتصال وما قيل، وأرفقته بمذكرة طلبت فيها حفظ النسخ وتحديد من يتسلمها.
حين خرجت من المكتب كان عماد ينتظر عند البوابة. أعطاها ظرفاً عريضاً، وقال إن أمينة طلبت أن تصل الصورة الأصلية إلى لجنة المراجعة. رفضت أخذ الأصل، وشرحت أنها تحتاج إلى نسخة موثقة فقط. بدا عليه الارتياح، ثم قال: «كنت أخاف أن تأخذوا كل شيء مرة أخرى.» للمرة الأولى فهمت هناء أن صمته أمام باب الشقة لم يبدأ يوم اختفى المهندس. بدأ قبل ذلك بكثير، حين صار الاحتفاظ بورقة في بيت أحدهم الطريقة الوحيدة لمنع ضياعها.
من كان يضع البطاريات؟
بقي سؤال واحد: آلة التوقيت لا تعمل سنة ببطارية صغيرة، والغبار كشف ممراً مستخدماً.
عادت هناء إلى العمارة مساءً، ووجدت عماد عند المدخل.
وضعت أمامه القصاصة الشفافة.
قالت: «كنت تدخل من المستودع، لا من الباب المختوم.»
لم ينكر عماد. جلس على الدرجة الأولى وقال إن والده كان واحداً من العمال الذين عاشوا في الغرفة غير المسجلة. حين جاء ياسر إلى العمارة، تعرف إلى اسم عائلة عماد في شهادة قديمة وطلب مساعدته. كان عماد يبدل البطارية كل شهر ويعيد الخزانة إلى مكانها.
سألته هناء: «لماذا لم تسلمني الملفات مباشرة؟»
قال: «لأننا لم نعرف من يمكن الوثوق به. الرسائل لم تكن لإخفاء الحقيقة، بل لقياس من يتبع الدليل من دون أن يدفنه.»
في الأسبوع التالي فُتحت مراجعة مستقلة، وأُعيدت أسماء السكان إلى السجل التاريخي، ثم عاد ياسر للإدلاء بشهادته. لم يتحول الأمر إلى انتصار سريع؛ استغرق التصحيح شهوراً. لكن النافذة الثامنة بقيت ظاهرة في المخطط الجديد.
وفي أول خميس بعد انتهاء التحقيق، وجدت هناء ظرفاً أخيراً على مكتبها. لم يكن فيه سر ولا خريطة. كانت فيه صورة للواجهة بعد الترميم، وعلى ظهرها جملة واحدة:
«أحياناً لا تكون الغرفة مخفية عن الناس؛ يكون الناس هم المخفيين داخل الغرفة.»
ما بعد النافذة
لم تنته مهمة هناء بإغلاق التحقيق. طلبت أن تُحفظ الغرفة جزءاً من ذاكرة المبنى لا أن تُهدم أثناء الترميم، وأن توضع نسخة من السجل المصحح في مكتبة الحي. اعترض المالك الجديد لأن الحكاية قد تخفض قيمة الشقق، فردت بأن القيمة التي تحتاج إلى محو السكان ليست قيمة كاملة.
جاء 3 من أصحاب الشهادات في يوم فتح الغرفة للزيارة. وقفوا أمام النافذة الضيقة، وبدأ كل واحد يصف موضع سريره وطاولة الطعام والموقد الصغير. كانت رواياتهم مختلفة في التفاصيل لكنها تتفق في شيء واحد: الغرفة التي وصفها السجل بأنها «مستودع» كانت بيتاً حقيقياً.
سأل عماد إن كان عليه أن يعترف بدخوله غير المصرح به. قالت هناء إن عليه ذكر كل شيء في إفادته، وإن حماية الدليل لا تلغي مخالفة الطريقة. لم تكن الحقيقة تمنح أحداً براءة سهلة، لكنها منعت السجل من مواصلة الكذب.
أما آلة الأظرف فوُضعت في صندوق زجاجي. كتبت هناء على البطاقة: «وسيلة مؤقتة لحماية سجل حُذف عمداً». رفضت أن تكتب «آلة غامضة»، لأن الغموض أدى مهمته، وحان وقت الأسماء الواضحة.









التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه.
لإضافة تعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب. يمكنك قراءة التعليقات دون تسجيل الدخول.