الصوت الآتي من البئر الجاف

كلما فتحت أمينة نافذة المطبخ، سمعت رجلاً يطلب منها أن تعيد الكوب إلى مكانه.
في المرة الأولى ردت: «أي كوب؟». لم يجب الرجل. كان الصوت آتياً من البئر الجاف في الحوش، واضحاً على نحو لا يناسب عمقه. سكبت ماء القهوة في الحوض، وأغلقت النافذة. عاد الصوت إلى همهمة بعيدة.
انتقلت إلى البيت لتفهرس أوراق أبيها قبل بيعه. مات منذ أشهر، وترك لها صوراً لا يعرف أصحابها، ومفاتيح لخزائن لم تعد موجودة. كان مهندساً يصلح أجهزة الراديو في وقت فراغه، ولا يتحدث كثيراً عن الفترة التي عاشها في الحي القديم قبل ولادتها.
في اليوم الأول عثرت أمينة على اسم مديحة في دفتر هاتف قديم، لكن الرقم كان أقصر من الأرقام المستعملة الآن. إلى جانبه كلمة «السطح»، وتحتها رقم آخر بلا اسم. وضعت علامة بين الصفحتين لتعود إليهما، ثم انشغلت بفهرس أبيها. كانت قد وعدت المشتري بأن تفرغ البيت خلال أسبوعين، واعتقدت أن الوعود تجعل الحزن أكثر قابلية للترتيب.
لم تكن قريبة من أبيها في سنواته الأخيرة. كان حديثهما يبدأ بالطقس وينتهي بالسؤال عن السيارة، وكلما حاولت أن تسأله عن أيامه الأولى في الحي أحضر لها جهازاً يريد أن يشرح عطله. ظنت أنه يتهرب، وربما كان يفعل. لكنها صارت الآن تفتح صناديق الأسلاك بعناية، كأن الإجابة يمكن أن تكون موصولة في طرف منسي.
حين سمعت الصوت للمرة الأولى، فكرت أن يكون لأبيها تسجيل محفوظ في جهاز يعمل بمؤقت. أرادت ذلك أكثر مما أرادت أن يختفي الصوت. طافت بالغرف تحمل كوبها، وتنظر تحت الطاولات قبل أن تشغل الضوء. لم تجد غير ساعة منزوعة البطارية، ومذياعين مفتوحين، وصندوق مصابيح صغيرة. أحست بخيبة غير منطقية، ثم غضبت من البيت لأنه لم يمنحها حتى طريقة واضحة لتخاف منه.
في اليوم الثاني سمعت الجملة نفسها، بالنبرة نفسها: «أعيدي الكوب إلى مكانه، لو سمحتِ». ثم طرقة، وضحكة قصيرة، وصوت امرأة يقول: «اتركه هنا. سيعود صاحبه».
لم يكن أحد في البيوت الملاصقة. أحدها هُدم من الداخل، والثاني مسكون فقط في الصيف. طرقت أمينة باب الجار المقابل، حسان، فسألها إن كانت تختبر أجهزة أبيها. وحين شرحت له، قال إن الأصوات في الآبار تنتقل من أماكن بعيدة، وطلب منها ألا تقترب من الحافة لأن بطانتها قديمة.
وضعت هاتفها على عتبة النافذة وسجلت الصوت. في التسجيل التالي جاءت الطرقة والضحكة بعد العدد نفسه من الثواني. لم تكن تسمع محادثة تتكرر مصادفة؛ كانت تسمع تسجيلاً يعاد.
بحثت في البيت عن جهاز يعمل، وفصلت الكهرباء عنه ساعة كاملة. ظل الصوت. أغلقت النافذة فانخفض، لكن حين فتحت باب الحوش لم يعلُ. حملت الهاتف قرب البئر، ثم قرب جدار المطبخ. كانت الكلمات أوضح عند النافذة، لا عند الماء الذي لم يعد موجوداً.
لم تساعدها هذه الملاحظة على النوم. عند منتصف الليل بدت عبارة «سيعود صاحبه» كأنها موجهة إلى شخص وقف وراءها.
استمعت ديمة إلى المقطع عبر الهاتف، وقالت إن الضحكة تبدو قريبة من الميكروفون، وإن الرجل أبعد منها. لم تكن خبيرة أصوات؛ تعمل معلمة، لكنها معتادة على سماع ما يختفي خلف ضجيج التلاميذ. سألت أمينة إن كان في التسجيل صوت المروحة نفسها التي في مطبخ البيت. أقفلتها وجربتا الاستماع. ظل حفيف خفيف يسبق الكلمات، لكنه لم يكن صوتها.
في آخر المقطع سمعتا طنيناً أرفع، ثم الطرقة. ظنت أمينة أن باباً أُغلق على أحد، وأن بقية الكلام قد محيت عمداً. قالت ديمة إن بإمكان عشر ثوان أن تحمل طاولة مطبخ، أو شجاراً، أو مزحة، وإنهما لا تعرفان أيها حدث. لم تعجب أمينة هذه الإجابة، لكنها احتفظت بالتسجيل كما هو، ولم ترسله إلى الغرباء على أنه لغز يريدون حله.
خرجتا إلى الحوش وحددتا المواضع التي يعلو فيها الصوت. وقفت ديمة عند البئر، وأمينة قرب النافذة، وتبادلتَا الجمل العادية لتقارنا شدتها. من الشارع ناداهما حسان يسأل إن كانتا تحتاجان إلى سلم. كان صوته يبدو آتياً من الجدار قبل أن يطل وجهه من البوابة. في تلك اللحظة تذكرت أمينة أن أباها كان ينادي أمها من الحوش ولا تراه، وأنها كانت طفلة تتخيل في الجدار هاتفاً لا يراه الكبار.
في الصباح جاءت ابنة خالتها، ديمة، تحمل فطوراً ومصباحاً. أدخلتا الضوء من النافذة، فظهر في جوف الجدار ثقب خلف شبكة تهوية صدئة. احتوت الفتحة أنبوباً خزفياً يهبط إلى مستوى الحوش، ثم يتجه نحو البيت المجاور. كان من بقايا نظام تهوية قديم، مسدوداً في طرفه القريب بقطعة صفيح.
حين رفعت أمينة الصفيح، اختفى الصوت من جهة البئر وخرج من الجدار مباشرة. ضحكت ديمة من الارتياح. لم تضحك أمينة؛ فقد بدا لها أنها تعرف صوت المرأة.
ظنت للحظة أنه صوت أمها في شبابها، لكنها لم تكن واثقة. تذكرت صورة قديمة لأمها وجارتهما مديحة، تحمل فيها الجارة أمينة رضيعة. كان خلفها تعليق قصير: «قبل السفر بأسبوع».
لم تكسرا الشبكة الصدئة. استدعتا عاملاً يفحص الفتحة من الخارج، فوجد أن جزءاً من القصارة الجديدة غطى منفذاً كان يسمح بتشتيت الصوت. أُغلق المنفذ أثناء تهيئة البيت للبيع، فصار الأنبوب ينقل الكلام أوضح نحو النافذة ثم يرده إلى الحوش. لم يكن البيت قد بدأ يتكلم فجأة؛ كان عامل الطلاء قد سد مكاناً صغيراً لم يعرف وظيفته.
قال العامل إن بيتين آخرين في الشارع يحتفظان بممرات تهوية متصلة من زمن كان البيت الواسع مقسماً بين أسر متقاربة. سألته أمينة إن كان يستطيع معرفة الطرف الآخر، فأشار إلى الجدار المجاور. ثم سألها إن كانت تريد سده كله. قالت إنها ستخبره بعد أن تزور حسان.
في الطريق رأت تحت شرفة الجار نافذة صغيرة عليها ستارة بنية. وراءها كانت طاولة، ولمبة، وظل رجل ينحني على شيء. كان المشهد عادياً إلى درجة جعلتها تخجل من بعض الصور التي تخيلتها. لكن الخجل لم يمحُ رغبتها في معرفة الصوت. طلبت من ديمة ألا تحكي الأمر على سبيل الطرافة في اجتماع العائلة، فوعدتها وهي تطرق باب الورشة.
ذهبتا إلى البيت المجاور عبر باب الورشة المفتوح. وجدتا حسان يصلح حاملاً خشبياً، وقربه مذياع قديم موصول ببطارية. كان يشغل شريطاً قصيراً كي يختبر آلية السحب بعد استبدال جزء منها. خلف الطاولة، في موضع كان خزانة حائطية، ظهرت فتحة الأنبوب الأخرى. تذكرت أمينة أن البيت المجاور كان في الأصل جزءاً من بيت أبيها قبل تقسيمه.
قال حسان إن الجهاز لأبيها، وإنه وعده بإصلاحه قبل أن يمرض. وفي داخله شريط حلقي قصير كان أبوها قد صنعه لاختبار آلية السحب؛ يعود المقطع إلى أوله كلما اكتملت دورته. لم يتذكر حسان أمر الأنبوب حين سألته أول مرة؛ كان يظن أن الأصوات التي تسمعها من تسجيلاتها هي. أوقف الشريط، فحل صمت عادي على الورشة. للمرة الأولى لم يكن الصمت مخيفاً.
أدار الشريط من البداية. أصوات أوانٍ، وامرأة تنادي أباها باسمه، ورجل يقول إن الميكروفون يلتقط كل شيء. ثم جاءت جملة الكوب، والطرقة، والضحكة. وبعدها توقف التسجيل عند كلمة غير مكتملة.
سألت أمينة عن صاحب الكوب. لم يعرف حسان. لكنه عرف أن الشريط سجل يوم مغادرة مديحة البيت، وأن زوجها كان قد توفي قبل ذلك بأشهر. أما ما جرى يوم التسجيل فلم يعرف منه إلا أن أبا أمينة كان يجرب ميكروفوناً جديداً في مطبخه، وأن مديحة كانت هناك مع أمها. قال إنه سأل أباها مرة عن الأصوات، فذكر له اسمي المرأتين ثم انشغل بعطل الجهاز.
كانت أمينة تستطيع أن تنهي البحث هنا. عرفَت مصدر الصوت وطريقه، ولم يبقَ ما يدعو إلى الحفر في ماضي امرأة أخرى. لكنها رجعت إلى الصورة، وقلبتها تحت المصباح. لم يكن الخط الذي كتب «قبل السفر بأسبوع» خط أبيها. كان خط أمها.
اتصلت بها وسألت عن مديحة. سكتت أمها، ثم قالت إن السفر لم يكن رحيلاً إلى بلد آخر. كانت مديحة تنتقل إلى شقة أصغر، ولا تستطيع حمل أشياء زوجها كلها. رفضت أول الأمر أن تترك الكوب الذي يستعمله. يومها قال أبو أمينة، في غفلة، إنه يعيد الأشياء إلى أماكنها، فأجابته المرأة بأن صاحب الكوب سيعود. لم تكن تصدق ذلك؛ كانت تحتاج إلى دقيقة أخرى قبل أن يضعه في الصندوق.
سألت أمينة لماذا احتفظ أبوها بهذا المقطع. قالت أمها إنها لا تعرف. ربما لم يسمعه بعد ذلك قط. ليس لكل ما يحتفظ به الناس سبب يمكن استعادته.
ذهبت أمينة إلى أمها في المساء، وأخذت معها جهاز التسجيل. وضعته على طاولة صغيرة، لكنها لم تشغله فوراً. سألت إن كانت مديحة ما تزال حية. قالت أمها إنهما فقدتا الاتصال منذ أعوام، وإنها حاولت مرة الوصول إليها عن طريق قريبة ثم توقفت. لم تعرف أمينة لماذا كانت تتوقع أن يجد الناس بعضهم كلما أرادوا.
شغلت الشريط مرة واحدة. سمعت أمها جملة الكوب، ثم مدت يدها إلى الزر وأوقفته. قالت إن الضحكة لها، وإنها كانت تضحك من أبي أمينة لأنه راح يختبر الميكروفون بصوت مذيع مهم. لم يكن الضحك سخرية من مديحة، لكن سماع ما حدث بعده جعله يبدو لها الآن في غير مكانه.
قالت أمينة إن المقطع لا يقول ذلك. أجابت أمها بأنها تعرف، لكنها لا تريد أن تستمع إلى نفسها من دون أن تتذكر من كان معها. طلبت الصورة القديمة، وتأملتها طويلاً قبل أن تذكر اسم شارع سكنت فيه مديحة بعد الانتقال. كتبته أمينة خلف نسخة جديدة من الصورة. لم تعد أمها بأنها ستجدها، ولم تعد أمينة نفسها بأن البحث عنها، إن بدأ، سيصلح شيئاً في علاقتها بأبيها.
لم تبحث أمينة عن رسالة مخبأة في بقية الشريط. أخذت الجهاز إلى البيت، ووضعت معه بطاقة تذكر ما عرفته وما لم تعرفه. وبقي سؤال المنفذ المفتوح. جاء العامل في موعده، ووجدها قد وضعت أمامه صورة للشبكة القديمة. طلبت أن يصلح صدأها ويترك التهوية تعمل، لكن يفصل اتصالها بالبيت المجاور كما تسمح بنية الجدار. لم ترد أن يكون صمت البيت مرهوناً بإغلاق نافذتها. اتصلت بحسان قبل البدء، واتفقا على الفحص من الجهتين. هذه المرة عرفت أمينة أي سؤال تسأله قبل أن يبدأ. كان عملاً صغيراً لا يحمل لغزاً آخر، وقد ارتاحت إلى حاجتهما إلى موعد وعامل ومقياس.
في صباح اليوم التالي فتحت نافذة المطبخ، فلم تسمع أحداً. صنعت قهوتها، وأعادت كوبها إلى الرف، ثم بدأت تفهرس الأوراق من دون أن تقلب كل صفحة على أمل أن تبرر الصفحة السابقة.









التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه.
لإضافة تعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب. يمكنك قراءة التعليقات دون تسجيل الدخول.