المقعد المحجوز في الحافلة الأخيرة

صورة توضيحية أصلية مولدة بالذكاء الاصطناعي؛ لا توثق أشخاصًا أو أحداثًا حقيقية.
قصة خيالية أصلية من بين سطرين. الشخصيات والأحداث متخيلة.
في أول أسبوع له على الخط، أخبروا نادر ألا يضع حقيبته على المقعد خلف السائق. قال المسؤول إن المقعد مكسور، وإن الصيانة ستبدله حين تصل القطعة. لم يجربه نادر. وضع حقيبته تحت المقود، وبدأ رحلة المساء.
كانت الحافلة قديمة، فيها أصوات يستطيع تمييزها بعد ساعات: ارتجاج الزجاج عند المنعطف، وطرق خفيف قرب الباب الخلفي، وصفير يتوقف إذا أغلق نافذته. وحده صوت المقعد المكسور لم يجد له تفسيرًا. كان يئن مرة واحدة عند المحطة الخامسة، حتى حين لا يصعد أحد.
في تلك المحطة وقفت امرأة تحمل مظلة مغلقة. لم تمد يدها. أبطأ نادر وفتح الباب، لكنها بقيت حيث هي. نظر إلى المرآة ليتأكد من خلو الممر، فسمع الأنين خلف كتفه. أغلق الباب وتحرك. حين نظر ثانية، لم تعد المرأة في الشارع.
عند نهاية الخط اكتشف بقعة مربعة على قماش المقعد. لم تكن ماء؛ بقيت رطبة تحت أصابعه، لكنها لم تترك شيئًا عليها. جلب قطعة قماش من صندوق التنظيف، وتركها فوق البقعة. في الصباح كانت مطوية على لوحة القيادة.
محطة بلا اسم
سأل عامل التنظيف عن القطعة، فقال إنه لم يدخل الحافلة؛ نادر أقفلها وأخذ المفتاح. سأله عن المقعد، فتوقف العامل عن لف خرطومه، ثم قال إن المسؤول يعرف قصته. ولما ذهب نادر إلى المكتب، وجد ورقة صغيرة معلقة على ملف السيارة: «يستبدل المقعد عند توافر البديل».
كان تاريخ الورقة قديمًا، والحبر تحت التوقيع باهتًا. لكنه لم يجد سببًا ليخاف ورقة مهملة أكثر مما يخاف عطلًا في الطريق. طلب رقم الصيانة، ثم انصرف.
في المساء عدّ الركاب في المرآة عند المحطة الخامسة. ستة. سمع الأنين، فعدهم ثانية. ظلوا ستة. لكن زجاج النافذة خلف كتفه بدأ يضبب من الداخل، في دائرة صغيرة على ارتفاع وجه.
سألت طفلة أمها لماذا لا يجلس أحد هناك. سحبتها الأم إلى المقعد المجاور، وقالت إن الرجل يريد أن يرى الطريق. لم تشر إلى نادر. كان واضحًا من وجهها أنها تتحدث عن شخص آخر.
توقف في المحطة التالية، وترك البابين مفتوحين. قال بصوت أعلى مما أراد: «من يريد النزول؟». لم يتحرك أحد. ثم جاءت من خلفه سحبة نفس طويلة، وصوت احتكاك نعلي حذاء على الأرض، بطيء جدًا. لم ير في المرآة إلا الممر الخالي.
عند آخر الرحلة اتصل بالمسؤول، وقال إنه لن يعيد الحافلة إلى العمل قبل فحصها. لم يجادل الرجل. سأله فقط: «هل سمعته واقفًا أم جالسًا؟».
أغلق نادر الهاتف.
ما لا ينقله السائق
جاء المسؤول بنفسه، حاملًا مفتاحًا لم يستعمله في الباب. وقف عند أول درجة، ومد عنقه إلى الداخل. حين وصف نادر البقعة، أخرج الرجل من جيبه شريطًا لاصقًا، وقال إنه يستطيع حجز المقعد كله.
«قلت إنه مكسور».
«وهو كذلك».
نزلا إلى الشارع. اعترف المسؤول بأن السائق السابق ترك الخط بعد أن وجد المقعد دافئًا كل صباح. رفض أن يقول إلى أين ذهب. كان ينظر من حين إلى آخر فوق كتف نادر، إلى نافذة الحافلة.
فك نادر بطاقته عن الحبل، ووضعها في يد الرجل. لم يبق لينتظر حكاية تشرح لماذا لم يخبره أحد. أخذ حقيبته من تحت المقود، وخرج من الباب الخلفي حتى لا يمر بجوار المقعد.
كانت سيارة أجرة تنتظر عند الإشارة. ركبها، وأعطى السائق عنوانه، وأبقى حقيبته في حضنه. في منتصف الطريق سمع صوتًا مألوفًا: أنين قصير من المقعد الفارغ إلى جواره.
استدار بعنف. لا بقعة، ولا ضباب على الزجاج. سأله السائق إن كان بخير. قال نادر: «أوقف هنا». أشار الرجل إلى الرصيف، وقال إن الوقوف بعد المنعطف أسلم. في المرآة رأى نادر عينيه تتحولان إلى المقعد الخلفي، ثم تعودان إلى الطريق بسرعة.
ترجل قبل أن تستقر السيارة تمامًا. وضع النقود على الحافة، ولم ينتظر الباقي. أغلق الباب، فهبطت السيارة قليلًا من جهته، كأن شخصًا جلس للتو في الموضع الذي تركه.
مشى إلى بيته. لم يسمع خطوات وراءه، ولم يلتفت. عند باب الشقة بحث عن المفتاح، فوضع حقيبته على الأرض. كان أسفلها مبتلًا في مربع نظيف. تذكر كيف رفعها من تحت المقود، وكيف لامس بها طرف المقعد وهو يتجنب المرور بجواره.
من الداخل نادته زوجته لتسأله لماذا تأخر. وقبل أن يجيب، سمعت كرسي المائدة يئن في الغرفة. قالت مستغربة: «هل جاء معك أحد؟».
ظل نادر يحمل المفتاح أمام القفل. على الجهة الأخرى من الباب جاء صوت سحب كرسي ثانٍ، ثم توقف كل شيء.
للقراءة بعد هذه القصة: المناشف التي لم تجف، والطابق الذي يصعد وحده.







التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه.
لإضافة تعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب. يمكنك قراءة التعليقات دون تسجيل الدخول.