المقاس الذي تغيّر

وصل فستان الزفاف إلى مشغل نوال في كيس شفاف، وبقيت ابنتها خارجه.
قالت ليلى إنها تحتاج إلى توسيع الكُم الأيسر، وإن الخياطة الأخرى اعتذرت لضيق الوقت. علقت نوال الكيس على المسمار نفسه الذي كانت تعلق عليه معاطف المدرسة، وسألت عن موعد الزفاف. قالت ليلى: «الخميس المقبل». لم تضف أنها كانت قد أخبرتها بالموعد قبل شهرين، ولم تعتذر نوال عن السؤال.
لم تتشاجرا منذ أربعة أعوام. كانتا قد أنفقتا آخر شجار كبير في يوم انتقلت ليلى إلى مدينة أخرى لتتعلم صناعة الآلات الموسيقية. قالت نوال إن هذه مهنة لا تطعم صاحبتها، وقالت ليلى إن أمها تريدها نسخة تساعدها في المشغل. بعد ذلك صار الكلام بينهما عملياً: صحة الخالة، فاتورة الدار، صندوق يجب إرساله مع جار مسافر.
الآن عادت ليلى، ومعها فستان لم تختره أمها.
طلبت نوال أن ترتديه. وقفت ابنتها فوق القطعة الخشبية، فمدت يدها إلى الخصر كما كانت تفعل في الصغر، لتعدل الوقفة. ابتعدت ليلى نصف خطوة. سحبت نوال يدها وأخذت شريط القياس.
كان في الكُم شد خفيف حين تثني ليلى ذراعها. قالت إن عليها أن تستطيع رفع يدها. قالت نوال إن القماش حساس وإن تعديل الفستان كله سيستغرق وقتاً. نظرت ليلى إلى المرآة وأجابت: «لا أطلب تعديله كله».
قبل أن تنزل ليلى عن القطعة الخشبية، اتصلت بها صديقة تسأل عن آلة ناقصة في قائمة العازفين. ردت بسرعة، واستعملت أسماء لم تعرفها نوال. أشارت بيدها إلى زر صغير في الفستان كيلا يعلق بالكيس، ثم قالت في الهاتف إن البروفة ستتأخر. راقبتها أمها وهي تؤدي أمرين في وقت واحد؛ تفعل ذلك منذ طفولتها، لكنها لم تكن تعترف به إلا حين تكون المساعدة للمشغل.
بعد خروجها وجدت نوال على الطاولة ورقة عليها اسم الخياطة الأخرى ورقمها. لم تكن حجة لتعود البنت إلى أمها؛ الخياطة موجودة، وقد كتبت مقاسات كثيرة بقلم أزرق. شعرت نوال بخيبة صغيرة، ثم خجلت منها. كانت تتمنى أن تكون حاجة ابنتها إليها أكبر من كُم ضيق، كأن السنوات تصلح إذا ثبت أن لا أحد غيرها يستطيع إصلاح قطعة قماش.
جاءت زبونة تحمل معطف طفل، وسألت عن الفستان المعلق. قالت نوال إنه لابنتها. بدأت المرأة تمدح الأم التي علمت ابنتها الصبر، وتصف حظ البنت بوجود من يصلح لها ملابسها إلى يوم عرسها. ابتسمت نوال، لكنها لم تستطع أن تضيف شيئاً. وحين خرجت المرأة، غطت الفستان بكيسه حتى لا يراه زائر آخر ويحكي عنه حكاية أسهل من حكايته.
في المساء حاولت نوال إدخال الخيط في الإبرة. لم تستقر عيناها على الثقب. أدارت المصباح، ومسحت عدستي النظارة، ثم خلعت النظارة وأطفأت المصباح. كانت تعرف منذ أشهر أنها تحتاج إلى فحص، لكنها كانت تقول للزبائن إن الضوء سيئ، وتطلب من بنت الجيران أن تعد لها الإبر كل صباح.
حين عادت ليلى في اليوم التالي، كان الكُم كما هو. رأت الإبر على قطعة اللباد، كلها بخيط أبيض، وفهمت قبل أن تسأل.
قالت: «لماذا لم تخبريني؟».
قالت نوال: «ليس في الأمر ما يستحق».
جلست ليلى إلى جوار الماكينة. أخذت إبرة وخيطاً، وأدخلته من المحاولة الأولى. أحست نوال بإهانة لم تقصدها ابنتها، فقالت إن هذا القماش لا يصلح للتجارب. وضعت ليلى الإبرة برفق، وبدأت تجمع الفستان.
كان بوسع نوال أن تتركها تخرج، وتستطيع بعد ذلك أن تصف عنادها لخالتها. لكن ليلى كانت تطوي الذيل بالطريقة التي علمتها إياها، من الداخل إلى الخارج، كيلا يلامس البياض الأرض. شيء في تلك الحركة جعل السنوات الأربع قصيرة بصورة موجعة.
قالت: «أخاف أن أفسده».
بقيت يد ليلى على الكيس. سألت: «الفستان؟».
لم تعرف نوال إن كانت ابنتها تنتظر جواباً آخر. قالت نعم، ثم قالت إنها لم تعد ترى بعض الأشياء كما كانت. لم تقل إنها عجوز أو وحيدة، ولم تذكر ما ضحت به. كان في حلقها كلام كثير من هذا النوع، لكنها سمعته قبل أن يخرج، وتعبت منه.
بقيت ليلى جالسة عند الباب، والكيس نصف مفتوح على ركبتيها. قالت إن الخياطة الأخرى اقترحت ثني الكُم عند المعصم، لكن ذلك لا يحل المشكلة حين ترفع الذراع. كانت ما تزال تتكلم عن الفستان، لا عن عيني أمها. أدركت نوال أنها تمنحها طريقاً أضيق وأقل إحراجاً للعودة إلى الحديث.
أخرجت نوال قطعة قماش قديمة، وطلبت منها أن تريها موضع الشد كما تشعر به، لا كما تراه في المرآة. وضعت ليلى القماش على ذراعها، وثنت المرفق. كان أثر العمل ظاهراً في طرف إصبعها، شق صغير داكن لم تتذكره أمها. سألت إن كانت الآلات تجرح يدها، فقالت إنها تستعمل أدوات حادة، وإنها تعلمت أين ينبغي أن تضع أصابعها. لم تقل إن الخياطة تجرح أيضاً، وبدت نوال ممتنة لأنها لم تقلها.
قالت ليلى إنها خافت من العودة إلى المشغل. توقعت نوال أن تسمع قائمة طويلة من الاتهامات، فأخذت تسوي طرف القماش لتستعد. لكن ابنتها قالت فقط: «أحياناً أسمع رأيك في رأسي قبل أن أجرب الشيء». توقفت نوال عن تسوية الحافة. كانت تريد أن تجيب بأنها أرادت حمايتها، ثم نظرت إلى الشق في إصبعها، وفكرت في كل ما تعلمته البنت من غير إذنها.
قالت: «لن أعدك بأنني سأحب كل شيء فوراً». أجابتها ليلى: «لا أطلب ذلك أيضاً». تركتا القماش على الطاولة، واتفقتا على العودة في الصباح. عند الباب سألت نوال عن اسم العريس الكامل، كي تكتبه على ورقة الموعد ولا تخلطه باسم أخيه. أخبرتها ليلى، ثم أخرجت صورة له وهو يحمل آلة أكبر من كتفيه، ويبدو فيها مرتبكاً على نحو مطمئن.
في اليوم التالي ذهبتا إلى موعد للفحص حجزته نوال بنفسها. لم تنتظر ليلى أن تنهي الإجراءات عنها. جلست في القاعة ترسم بالقلم شكلاً لآلة صغيرة تصنعها، وحين سألت أمها عنه، شرحت لها كيف تغير فتحة ضيقة الصوت. لم تفهم نوال المصطلحات كلها، لكنها فهمت أن يد ابنتها تعرف عملاً لم تعلمها إياه.
عند العودة فتحتا الكُم. اقترحت ليلى إضافة قطعة مثلثة من بطانة زائدة قرب الإبط. قالت نوال إن الخياطة ستظهر إذا شُد القماش، وأرتها كيف يوزع الشد بغرزة داخلية. اختلفتا على مقدار الزيادة، ثم جربتاها على قماش قديم. كان اختلافاً صغيراً يمكن حله بإبرة، وقد نسيتا كم افتقدتا ذلك.
عند فك الخياطة عثرت نوال على إبرة رفيعة تُركت بين طبقتين. وضعتها في علبة منفصلة، ثم سمحت لليلى أن تفك بقية الغرز. كانت تميل إلى الإمساك بالقماش كلما تعثرت ابنتها في عقدة، لكنها تعلمت أن تسأل أولاً. في مرة قالت ليلى إنها تستطيع، وفي الثانية طلبت منها المساعدة. لم ينهدم شيء في المرتين.
سألتها نوال عن الشقة التي تسكنها، ووجدت أن ما تعرفه عنها لا يتجاوز عدد النوافذ. وصفت ليلى المطبخ الضيق، والجار الذي يطرق الحائط إذا تدربت بعد المساء، والرف الذي صنعته بيديها ثم مال لأن الحائط غير مستقيم. ضحكت نوال من الرف، وضحكت ليلى معها، ثم قالت إنها لن ترسل صورته إذا كانت ستبقى حجة ضد مهنتها. قالت الأم إنها تريد الصورة كي تريها كيف يثبت؛ لم تدّع أنها تستطيع الكف عن تقديم النصائح كلها في يومين.
قبل الغداء أخرجت نوال علبة أزرار قديمة. وجدت فيها زراً أزرق كانت ليلى تختاره لكل ثوب، حتى حين لا يناسبه. أرادت أن تخيطه في باطن الفستان، وتفاجئها به عند اللبس. حملته لحظة ثم وضعته أمامها وسألت إن كانت تريده. فحصته ليلى، وابتسمت، وقالت إن ربطه بحقيبة الآلة سيكون أفضل. ساعدتها أمها في تثبيته هناك، وسمعت صوت البلاستيك يطرق الخشب كلما تحركت الحقيبة.
مع آخر تجربة رفعت ليلى ذراعيها، فبقي الكُم في مكانه. سألت نوال لماذا تحتاج إلى الحركة بهذا الاتساع. قالت ليلى إنها ستعزف مع أصدقائها بعد العشاء. ظنت نوال أن العروس لا ينبغي أن تعمل في عرسها، وفتحت فمها لتقول ذلك، ثم رأت ابنتها تنتظر في المرآة.
سألت بدلاً منه: «على الآلة التي رسمتها؟».
هزت ليلى رأسها.
في يوم الزفاف جلست نوال قرب الممر، لا في الصف الأول الذي أُعد لها. لم تعرف كيف تصافح أهل العريس من غير أن تبدو كأنها تصل متأخرة إلى حياة ابنتها. جاءت ليلى، وأمسكت بيدها، ورافقتها إلى المقعد. لم تقولا شيئاً عن السنوات الماضية أمام الناس.
بعد العشاء صعدت ليلى لتعزف. ارتفع ذراعها الأيسر، وشدت الغرز الجديدة لحظة ثم استقرت. تابعت نوال حركة يد ابنتها إلى أن نسيت الكُم تماماً.
حين انتهت الموسيقى، سألت امرأة بجوارها إن كانت تعرف اسم الآلة. قالت نوال إنها لا تعرفه بعد، وإن ابنتها صنعتها. نطقت الجملة ببطء، تستمع إليها كأنها تسمعها من شخص آخر.
في آخر الليل ذهبت ليلى إلى غرفة جانبية لتبدل حذاءها. لحقتها نوال تحمل الكيس، ورأتها جالسة على الأرض تسند ظهرها إلى خزانة صغيرة. بدا التعب في وجهها مألوفاً أكثر من الزينة. جلست الأم على الكرسي، ووضعت الكيس بين قدميها كيلا يتحول وجودها إلى عمل عاجل.
قالت ليلى إن الكُم لم يزعجها. أجابت نوال إنها كانت تراقبه، ثم نسيت. فكّت ابنتها مشبكاً من شعرها، وسألت: «والموسيقى؟». لم تحسن نوال وصف ما سمعت. قالت إن الجزء البطيء أعجبها، وإنها لم تعرف لماذا توقفت الآلة لحظة قبل النهاية. شرحت ليلى أنها تركت للصوت وقتاً كي يخفت. حاولت الأم أن تقلد النغمة، فأخطأت، وضحكتا من غير أن تقولا إن الضحك يعني زوال ما حدث بينهما.
حين نهضت ليلى، عرضت نوال أن تحمل الحقيبة حتى السيارة. قالت البنت إنها ثقيلة. مدّت الأم يدها لتختبر وزنها، ثم حملتاها معاً، كل واحدة من جانب، على طول الممر الذي بدأ العمال يرفعون منه الزهور.
بعد أسبوع وصلت إلى المشغل صورة من الزفاف. لم تختر نوال الصورة التي تظهر الفستان كاملاً. اختارت التي انحنت فيها ليلى على الآلة، ورفعت كُمها قليلاً كي تضبط وتراً. وضعتها قرب الماكينة، بعيداً عن الشمس.
في الأيام التالية جاءت زبونة تسأل إن كانت ستوسع كُم ثوبها بالطريقة نفسها. أرتها نوال الخياطة من الداخل، وقالت إن الحل يعتمد على مقدار القماش المتاح. لم تخبرها أن الفكرة بدأت باقتراح ليلى إلا بعد أن جربتا القياس؛ ثم أخبرتها ببساطة، من غير مقدمة تشرح كيف تعلمت ابنتها كل ما تعرفه منها. وحين سألت الزبونة عن رقم المشغل الآخر الذي تعمل فيه البنت، كتبت لها عنوان ورشة الآلات، وقالت إن هذا عملها.
وفي المساء اتصلت بابنتها لتسأل عن الاسم. قالت ليلى اسم الآلة، فأعادته نوال مرتين حتى نطقته صحيحاً. ثم بقيتا تتحدثان، إلى أن احتاجت نوال إلى إضاءة المصباح الجديد فوق طاولتها.









التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه.
لإضافة تعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب. يمكنك قراءة التعليقات دون تسجيل الدخول.