التقنية

هل أصبحت البرمجيات الخبيثة تكتب نفسها بالذكاء الاصطناعي؟ ما نعرفه وما لا نعرفه

24 سبتمبر 2026
صورة توضيحية لحاسوب يعرض خطوطاً رقمية ودرع حماية في سياق الأمن السيبراني

تخيل برنامجاً ضاراً لا يحمل جميع تعليماته معه، بل يطلب بعضها من نموذج ذكاء اصطناعي أثناء عمله. الفكرة تبدو كأنها مشهد من فيلم، لكنها أصبحت موضوعاً حقيقياً في أبحاث الأمن السيبراني. ومع انتشار أخبار عن برمجيات «تعيد كتابة نفسها»، يسهل الانتقال من اكتشاف تقني محدود إلى استنتاج واسع: هل صار كل هاتف أو حاسوب معرضاً لفيروس لا يمكن إيقافه؟

الإجابة المختصرة: ظهرت عينات تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي لتغيير الشيفرة أو إنشاء أوامر خلال التشغيل، لكن ذلك لا يعني أن برامج الحماية فقدت قيمتها، ولا أن كل نموذج تجريبي تحول إلى هجوم واسع. لفهم الخبر، ينبغي التفريق بين ما صُمم البرنامج لفعله، وما أظهرته عينة مختبرية، وما رُصد بالفعل في هجوم.

ما المقصود ببرنامج خبيث «يكتب نفسه»؟

اعتادت برامج ضارة كثيرة أن تصل إلى الجهاز وفي داخلها تعليمات جاهزة. يستطيع الباحثون فحص الملف، ومقارنة أجزاء منه بعينات معروفة، ومراقبة ما يحاول فعله. أما في النماذج التي تستخدم الذكاء الاصطناعي خلال التشغيل، فقد يرسل البرنامج طلباً إلى خدمة خارجية لتوليد جزء من الشيفرة أو أمر جديد، ثم يتعامل مع الناتج.

هذا لا يمنحه ذكاءً بلا حدود. فهو يظل مقيداً بطريقة برمجته، وبإمكانية الوصول إلى الخدمة، وبما يسمح به النظام، وبجودة إجابة النموذج. لكنه يضيف متغيراً يصعب توقعه من فحص نسخة واحدة من الملف. قد تتغير صياغة الأوامر أو شكل الشيفرة بينما تبقى الغاية العامة واحدة.

كما أن عبارة «يستخدم الذكاء الاصطناعي» واسعة جداً. قد تعني أن المهاجم استعان بأداة لكتابة البرنامج قبل نشره، أو أن البرنامج نفسه يتصل بنموذج بعد وصوله إلى الجهاز. الحالة الثانية هي التي تثير الاهتمام هنا، لأنها تجعل بعض التعليمات تتشكل أثناء التنفيذ. الخلط بين الحالتين يوحي بأن كل برنامج ضار كُتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي قادر على تعديل نفسه، وهو استنتاج غير صحيح.

لماذا عاد هذا الموضوع إلى الواجهة؟

وصفت مجموعة استخبارات التهديدات لدى غوغل في بحثها الأصلي عينة تجريبية تحمل اسم «برومبتفلوكس». تستعين هذه العينة بواجهة نموذج «جيميناي» لطلب تعديلات على شيفرتها، في محاولة لجعل التعرف عليها عبر البصمات الثابتة أصعب. وفي إحدى النسخ ظهر تصميم لإعادة توليد الشيفرة دورياً.

لكن التفصيل الذي يغير قراءة العنوان هو أن الباحثين وصفوا العينة بأنها تجريبية، وقالوا إن حالتها التي فحصوها لم تُظهر قدرة على اختراق جهاز أو شبكة ضحية. وتحدثوا أيضاً عن وظائف غير مكتملة في بعض النسخ. لذلك فإن عبارة «فيروس يعيد كتابة نفسه كل ساعة ويخترق الأجهزة» تجمع بين هدف مصممه المفترض ونتيجة لم تثبتها العينة نفسها.

في المقابل، رصد باحثو غوغل في التقرير نفسه مثالاً آخر باسم «برومبتستيل» استُخدم في عمليات فعلية. هذا البرنامج يطلب من نموذج توليد أوامر لجمع معلومات وملفات، ثم ينفذ الأوامر ويخرج البيانات. الفارق مهم: أحد المثالين يوضح تجربة في إخفاء الشيفرة، والآخر يوضح استخداماً عملياً لنموذج خلال نشاط ضار. وضعهما في خانة واحدة يمحو المعلومة الأهم للقارئ.

هل يعني تغير الشيفرة أن برنامج الحماية عاجز؟

لا. التعرف إلى ملف معروف من بصمته طريقة واحدة فقط ضمن وسائل الحماية. يمكن للأدوات الأمنية أن تراقب السلوك أيضاً: محاولة تشغيل أوامر غير معتادة، أو الوصول إلى ملفات حساسة، أو الاتصال بوجهات مريبة، أو الاستمرار تلقائياً عند بدء تشغيل الجهاز. تغيير شكل الشيفرة قد يصعب بعض وسائل الكشف، لكنه لا يجعل هذه الأفعال غير مرئية بالضرورة.

في الوقت نفسه، لا توجد حماية كاملة. قد تمر برمجية جديدة من دون اكتشاف لبعض الوقت، وهو سبب إضافي لتحديث النظام وأدوات الأمان وتجنب مصادر التنزيل المجهولة. الوعد بأن برنامجاً واحداً يمنع كل هجوم غير دقيق، مثل القول إن جميع أدوات الحماية أصبحت بلا فائدة.

وتختلف أدوات الحماية بين الحاسوب والهاتف، كما تختلف الصلاحيات التي يمنحها كل نظام للتطبيقات. لذلك لا ينبغي تحويل خبر عن عينة كُتبت لنظام أو بيئة محددة إلى تحذير يقول إنها تصيب جميع الأجهزة بالأسلوب نفسه. الخبر التقني الجيد يحدد ما اختبره الباحثون فعلاً قبل أن يوسّع الحديث إلى المستخدمين كافة.

ما الذي تغير بالنسبة إلى المستخدم العادي؟

بالنسبة إلى معظم الناس، يبدأ الخطر من نقطة مألوفة: رسالة تحث على فتح مرفق، رابط يقود إلى صفحة مزيفة، برنامج يُحمّل من إعلان أو موقع غير موثوق، أو طلب لتثبيت أداة تبدو مفيدة. إضافة الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة لاحقة من الهجوم لا تلغي أهمية منع الخطوة الأولى.

إذا وصلتك رسالة عاجلة تدعي أنها من بنك أو شركة توصيل، افتح تطبيق الجهة أو اكتب عنوان موقعها بنفسك بدلاً من الضغط على رابط الرسالة. وإذا ظهر إعلان لبرنامج حماية أو أداة مجانية، لا تجعل الإعلان نفسه مصدر التنزيل. وابحث عن التحديثات من إعدادات الجهاز أو الموقع الرسمي للبرنامج. تتفق هذه الخطوات مع إرشادات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية للحماية من البرمجيات الخبيثة، وهي تتعامل مع أبواب الدخول الشائعة قبل أن يصبح شكل الشيفرة مهماً.

ومن المفيد تفعيل التحديثات التلقائية للحماية والنظام، وفحص الملفات الجديدة عندما تتاح هذه الميزة. احتفظ بنسخة احتياطية للملفات المهمة وفق وسيلة موثوقة حتى لا يصبح تعطل الجهاز أو تشفير البيانات خسارة لا يمكن تداركها. ولا تمنح تطبيقاً غير معروف صلاحيات واسعة لمجرد أنه يطلبها عند التثبيت.

ماذا تفعل إذا شككت في إصابة جهازك؟

لا تعتمد على نافذة منبثقة تقول إن جهازك مصاب وتطلب الاتصال برقم هاتف؛ فقد تكون هي نفسها محاولة احتيال. إذا لاحظت تباطؤاً شديداً غير معتاد، أو إعادة توجيه مستمرة في المتصفح، أو رسائل تُرسل من حساباتك من دون علمك، توقف عن إدخال كلمات المرور أو بيانات الدفع على الجهاز المشكوك فيه حتى تتحقق من وضعه.

حدّث أداة الحماية من مصدرها الرسمي وأجرِ فحصاً. وإذا تعلقت المشكلة بحساباتك، غيّر كلمات المرور من جهاز تثق به وراجع الجلسات النشطة ووسائل استرداد الحساب. ظهور عرض واحد لا يثبت وجود برمجية خبيثة؛ المهم الجمع بين العلامات والفحص، ثم طلب مساعدة مختص إذا استمرت المشكلة أو شملت بيانات حساسة.

السؤال الأهم بعد العنوان المثير

عندما تقرأ مستقبلاً عن «فيروس يستخدم الذكاء الاصطناعي»، اسأل: هل هذه تجربة بحثية أم هجوم مرصود؟ هل غيّر البرنامج شيفرته فعلاً أم حاول ذلك؟ وهل ورد دليل على إصابة أجهزة مستخدمين؟ هذه الأسئلة الثلاثة تفصل بين إشارة مبكرة تستحق الانتباه وخطر مؤكد يحتاج إلى استجابة عاجلة.

الذكاء الاصطناعي يفتح للمهاجمين وسائل جديدة لتسريع بعض المهام وتغيير شكل البرمجيات الضارة. لكنه لا يلغي قواعد الحماية الأساسية، ولا يحول كل تجربة إلى كارثة. القراءة الدقيقة للبحث الأصلي، ثم اتخاذ خطوات حماية معقولة، أنفع من الخوف الذي تتركه عبارة «فيروس لا يُكشف».

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه.