خيال

الجرس الذي أيقظ الحوت

23 أكتوبر 2026
رسم توضيحي أصلي لقصة خيالية: رُبى تحمل جرساً نحاسياً أمام حوت عملاق ينهض من تحت جبل وقرية حجرية.

لم يكن الجرس مكسوراً. كان خائفاً.

عرفت رُبى ذلك حين وضعت أذنها على النحاس. كانت ترمم أجراس قرية السهل العالي منذ مات أبوها، وتعرف الفرق بين شرخ في المعدن ورجفة تأتيه من بعيد. تحت البرج سمعت نبضاً بطيئاً، نبضة واحدة في كل مرة تتعب فيها من حبس أنفاسها.

في ذلك الأسبوع مالت الآبار نحو الشرق. لم يتحرك الحجر ولا الحبال؛ الماء وحده استقر مائلاً كأنه في وعاء يحمله شخص يسير. قال رئيس المجلس إن السبب ضعف الجدران، وأمر بردم بئرين. وفي الليلة نفسها ارتفعت أرض المقبرة مقدار إصبع ثم هبطت.

ذهبت رُبى إلى خالتها وردة، التي تحفظ أغاني الرعاة قبل أن تتحول الجبال إلى خرائط. لم تتعجب وردة. طلبت منها أن تغلق النافذة، لا لكيلا يسمعهما الناس، بل لكي تسمعا الأرض.

قالت: «حين عبر البحر هنا، بقي حوت صغير تحت الطمي. طال نومه حتى صار ظهره جبلاً. جداتنا لم يبنين البرج ليعدّ الساعات. بنينه لنسأله، كل شتاء، إن كان يستطيع حملنا عاماً آخر».

ضحكت رُبى، ثم تذكرت أن الجرس لا يُقرع منذ أن جف النهر قبل أربعين سنة. صار أهل القرية يستعملون ساعته للزينة، ويقولون إن صوته يجلب الشقوق. سألت: «وإذا قال إنه لا يستطيع؟» لم تجب وردة.

أمسكت وردة طرف كمها قبل خروجها، وسألت إن كانت تستطيع أن تصلح الجرس من غير أن تقرعه. كانت تريد، مثل المجلس، أن تتأخر الإجابة قليلاً. في غرفتها صندوق من ملابس طفل مات قبل سنوات بعيدة، وشجرة عند النافذة كانت قد غرستها يوم ولد. قالت إن الحوت، إن تحرك، سيأخذ موضع الشجرة معه.

لم تكن وردة حكيمة دائماً كما تبدو في الأغاني. كانت تخاف البرد وتنسى أسماء بعض الزوار، وتغضب إذا رأت أحداً يقص من النعناع أكثر مما يحتاج. أحبتها رُبى لهذا كله، وشعرت أن الأسطورة صارت أصعب بعدما اكتشفت أن راويتها تريد منها ألا تختبرها.

في المشغل رسمت رُبى شكل الجرس، وحددت المواضع التي ضعفت مع الزمن. كان أبوها قد علمها أن الجرس لا يُجبر على صوت لا يحتمله معدنه. لو ضربته بقوة، أمكن أن ينشق بدلاً من أن يجيب. حملت مطرقة من خشب الزيتون، لا المطرقة الحديدية التي اختارها المجلس لإعلان الأعياد، وصعدت الدرج ببطء كيلا تضطر إلى تبرير ما ستفعله قبل أن تفعله.

صعدت رُبى البرج عند الفجر. ضربت النحاس بمطرقة صغيرة، فانبعث صوت لم تسمعه في الهواء. سمعته في أسنانها، وفي راحتيها، ثم خرج من البئر القريب ماء دافئ وأشياء مدفونة: بذرة زيتون، خرزة زرقاء، قطعة من محارة بيضاء.

انشق الشارع شقاً لا يتسع لحبة قمح. ومن تحته جاء صوت أجش: «هل عاد الماء؟».

لم تسأل رُبى من المتكلم. قالت: «لا».

سكت الصوت زمناً طويلاً، ثم قال: «إذن آن أن أبحث عنه».

لم يصدقها المجلس حتى أخرجت لهم المحارة. وحين وضعها رئيسه على الطاولة، أغلقت فمها على قلمه. ارتبك الأعضاء، واستدعوا وردة، واستمعوا للمرة الأولى إلى أغنية كان الأطفال يسخرون منها في الأعراس.

اقترح صاحب المحجر تثبيت الجبل بسلاسل من الحديد. واقترح آخر أن يعيدوا دفن الجرس. قال الرئيس إن عليهم التفكير في أرزاق الناس: الأشجار، المدرسة، البيوت التي بناها الآباء حجراً حجراً. كانت رُبى تفكر في موقد أبيها؛ لا تزال آثار أصابعه الغليظة مطبوعة في حافته. لم تستطع أن تزعم أن ترك القرية سهل.

عادت إلى البئر وسألت الحوت كم يمهلهم. أجاب بأن النوم صار مؤلماً، وأن أطرافه لم تعد تذكر كيف تتحرك. قالت إن الخروج الآن سيهدم بيوتاً فوقه.

قال: «أعرف. كلما بكى طفل فوق ظهري بقيت ساكناً».

عرضت عليه أن يقودوه إلى مجرى البحر القديم بعد أن يرحلوا. لم يطلب وعداً من المجلس. طلب أن يسمع أصوات الذين يريدون البقاء؛ لم يثق بالجرس حين يتكلم عن قرية كاملة بلسان شخص واحد.

قضت رُبى يومين تمشي فوق القنوات القديمة مع صبي اسمه مالك، يعرف مواضع جحور الثعالب أفضل مما يعرف دروس المدرسة. كان يحمل خرائط المحجر، ويمشي إلى الوراء كلما تحدث إليها. طلبت منه أن ينتبه إلى الحافة. قال إن الأرض تتحرك على أي حال، ثم سكت حين سمع صريراً تحت قدميه.

لم يكن مجرى البحر طريقاً خالياً ينتظر الحوت. بنيت في بعضه مخازن، وسدت حجارة المحجر فرعاً منه، وغرقت مواضع أخرى في ملح قديم لا ينبت فيه شيء. وضعا علامات من أغصان يابسة على ما ينبغي إخلاؤه. عند آخر مخزن وجدا رجلاً يصلح بابه. قال إنه لن ينقل أكياسه لأن أحداً لم يحدد له من يدفع ثمن العربة.

عادت رُبى إلى المجلس غاضبة، لكنها وجدت على الطاولة قائمة نفقات تتجاوز ما في صندوق القرية. لم يكن كل معترض بخيلاً، ولا كل من أراد الرحيل قادراً عليه. تخلت عن فكرة أن تكفي الأغنية لتتحرك العربات. جلست مع أمين الصندوق، وحددا البيوت التي تحتاج إلى مساعدة أولاً، وأصحاب الدواب الذين يستطيعون نقل جيرانهم قبل أمتعتهم.

أما صاحب المحجر فطلب أن يعمل رجاله في فتح المجرى مقابل أجر. تشاجرت معه رُبى، وقالت إن حجارتهم هي التي سدته. أشار إلى العمال الواقفين وراءه؛ هؤلاء يحتاجون أجوراً كي ينقلوا أطفالهم أيضاً. انتهى الأمر بأن أعطى هو الدواب والعدة، ودفع الصندوق بعض الأجر، وعمل آخرون بالتناوب. لم يحب أحد الاتفاق كله، لكنه بدأ يعمل.

أقاموا اجتماعاً قرب البئر. وقف رجل فقد زوجته في الشتاء وقال إنه لا يريد أن يترك قبرها. وقفت صاحبة المخبز وقالت إنها لا تعرف خبزاً خارج رائحة حجارة فرنها. ثم تكلمت ابنتها، التي كانت تحمل الحطب كل صباح: «أنا أريد أن أرى مكاناً لا نحتاج فيه إلى كسر الماء قبل شربه».

لم يتحول الاجتماع إلى اتفاق جميل. تشاجروا، وانصرف بعضهم، وبقي آخرون يعدّون ما يمكن حمله. لكن أحداً لم يعد يتحدث عن الحوت كما لو كان صخرة. وفي المساء وضع الرجل الذي رفض الرحيل باقة يابسة على القبر، ثم طلب من رُبى أن تساعده في حمل لوح صغير نُقش عليه اسم زوجته.

في الليل ذهب مالك إلى البئر وحده. وجدته رُبى جالساً على حافته ينادي الحوت بأسماء سمعها في الأغاني. لم يرد عليه. قالت إن الكائنات ليست مضطرة إلى إجابة كل من يريد تسليته. أنزل رأسه، ثم أخبرها أنه لا يريد تسلية؛ أبوه يعمل بعيداً، ولا يعرف إلى أين يعود إذا اختفت القرية.

بحثت رُبى عن جواب مريح، فلم تجد. سألته متى تأتي الرسائل، فقال مرة في الشهر. أخذته إلى مكتب البريد، وكتبا مع الموظف عنوان المكان الجديد ووصف الطريق إليه. طلب مالك أن يضيفا رسماً لشجرة يعرفها أبوه. ضحك الموظف، لكنه ألصق الرسم في الرسالة، واحتفظ بنسخة عنده. عاد الصبي إلى عمله في المجرى في الصباح التالي.

أما رُبى فذهبت إلى الحوت تحمل سؤالاً كانت تؤجله. سألته إن كان يعرف أن في ظهره قبوراً. قال إنه يعرف ثقلها، وإنه لا يفرق دائماً بين حجر يحفظ اسماً وحجر يمنع الماء. سألت هل يتألم إذا حفروا لاستعادة بعض الرفات. أجاب بعد صمت بأنهم يستطيعون أن يفعلوا ذلك قرب السطح، وأن ينتظروا بين ضربة وأخرى حتى يهدأ.

عمل أهل القرية أياماً من غير غناء. حمل بعضهم بقايا من أحبوا، واكتفى آخرون بتراب في أوعية، وترك فريق ثالث القبور كما هي. لم تطلب وردة إخراج ابنها. قالت إنها لا تتذكر من جسده إلا يده في يدها، وإنها لا تريد أن يستبدل الصندوق ما بقي لها. أخذت غصناً من الشجرة، وسألت صاحبة البستان الجديد أين يمكن أن تغرسه.

اختاروا السفح الغربي مكاناً جديداً. ومنذ ذلك اليوم قرعت رُبى الجرس كل صباح، وعدّدت البيوت التي انتقل أصحابها. كان الحوت يجيب بدفقة ماء أو بارتعاشة خفيفة تعرفها أصابعها. وحين بقيت المدرسة والبرج وحدهما، اكتشفت أن المطر سد الطريق إلى الموضع الجديد.

توقف الرحيل. اشتدت الرجفة تحت القرية، وأخذت المحارة تطرق صندوقها من الداخل. كان يمكن لرُبى أن تكذب وتقرع جرس النهاية، لكنها جلست قرب البئر واعترفت بأن ثلاثة أطفال ومعلمتهم عالقون في المدرسة.

قال الحوت: «ضعوا أيديهم على الأرض».

فعلت المعلمة، وشعر الأطفال بالنبض الذي سمعته رُبى أول مرة. على امتداد الوادي ارتفع خط من الحجارة، ببطء شديد، حتى صار ممراً فوق الوحل. عبروا ممسكين بالحبل. وعند آخر خطوة سقطت المعلمة على ركبتيها، لا من التعب وحده، بل لأنها أدركت مقدار الحذر الذي يحتاجه كائن بهذا الحجم كي يحمل قدماً صغيرة.

أنزلوا الجرس من البرج في اليوم الأخير. تركت رُبى الموقد؛ لم تستطع اقتلاعه من غير أن تكسره. جلست قربه وقتاً، ثم أخذت حجر السندان الذي كان أبوها يسند به عمله.

انتظرت رُبى حتى عبر آخر عامل، ثم حملت الجرس مع الرجل الذي صنع العربة. عند منتصف الطريق توقف وسأل إن كانا قد أخرجا قط المدرسة. نسياه. لم يكن قطاً محبوباً؛ كان يسرق الطعام ويعض من يحاول حمله. أعادا الجرس إلى الأرض، ورجعت رُبى مع مالك إلى الفناء.

وجداه تحت مقعد المعلمة، مكوّراً نفسه في بقعة الشمس. لم يفهم استعجالهما، وخدش يد مالك حين رفعه. حمله الصبي داخل معطفه، وهو يشتمه بصوت منخفض، ثم ابتسم حين استقر. في طريق العودة شعرت رُبى بنبضة قوية تكاد تسقطها. وضعت كفها على الصخر، وقالت إنهم قادمون. لم تسأل الحوت هل سمعها؛ كانت تعرف أنه يحتاج الآن إلى ما وعدته به، لا إلى كلام آخر.

عند السفح كان الناس قد تركوا مساحة واسعة حول الجرس. بدا أصغر مما كان في البرج، محاطاً بالبيوت المطوية في صناديق، والأبواب التي رفض أصحابها التخلي عنها. سأل رئيس المجلس إن كان سيعود يوماً. قالت رُبى إنها لا تعرف. لم تكن تريد أن تؤسس القرية الجديدة على وعد لا يملكه أحد.

حين قرعت الجرس من السفح، تحرك الجبل. انفتحت الأرض على ظهر أزرق غطاه طين القرون، وتدحرجت أشجار برية من جانبيه. أخذ الحوت طريق المجرى اليابس، وكلما مر منخفضاً ترك فيه ماء. لم يعد بحر كامل، لكن في الوادي بدأت تسيل ساقية.

بعد عام، علقت رُبى الجرس عند المدرسة الجديدة. لم تدقه ليسمعه الحوت؛ كان بعيداً بحيث لا يصل إليه صوتها. دقته ليدخل الأطفال. وبينما كانوا يصعدون الدرج، وضعت كفها على السندان القديم، وأصغت إلى الأرض قبل أن تعود إلى عملها.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه.