عاطفية
نُشر سبتمبر 18, 2026حُدّث سبتمبر 18, 2026◷ 14 دقائق قراءة

مكالمة كل يوم أحد

بعد 7 سنوات بلا حديث، اتفقت مها وسلمى على مكالمة كل يوم أحد مدتها 10 دقائق فقط. لم يكن الهدف أن تعودا كما كانتا، بل أن تعرف كل واحدة إن كان ما يزال هناك طريق يمكن السير فيه من دون أن يجرهما الماضي إلى المكان نفسه.

بدأ الأمر بدفتر صغير وجدته مها وهي تفرغ خزانة أبيها بعد عام من وفاته. كانت تؤجل فتح الخزانة كلما زارت البيت القديم، كأن القمصان المعلقة فيه تقوم بعمل الباب الأخير الذي يمنع الغياب من أن يصبح نهائياً. في الجيب الداخلي لمعطفه الشتوي وجدت ورقة مطوية، وفيها رقم سلمى بخط أبيهما، وتحته جملة قصيرة: «لا تدعا الوقت يقرر بدلاً منكما».

جلست مها على أرض الغرفة والدفتر في حجرها. لم تبك. كان الحزن قد تجاوز عندها مرحلة الدموع وصار يظهر في أشياء أصغر: كوب لا تستخدمه، قناة تلفزيونية لا تغيرها، ورقم أختها الذي حفظته رغم أنها حذفته من الهاتف أكثر من مرة.

كتبت رسالة: «وجدت شيئاً لأبي. هل يمكن أن نتحدث؟» ثم حذفتها. كتبت ثانية أطول، شرحت فيها الخزانة والدفتر والجملة، ثم حذفتها أيضاً. في الثالثة لم تكتب سوى: «10 دقائق يوم الأحد؟»

وصل الرد بعد 6 ساعات: «نعم. لكن لا أعرف من أين نبدأ.»

كتبت مها: «إذن لا نبدأ من الماضي.»

ثلاث قواعد لعشر دقائق

وضعتا 3 قواعد قبل المكالمة الأولى: لا لوم، لا نصائح، ولا حديث عن اليوم الذي افترقتا فيه. وحددتا الوقت عند 8 مساءً. اقترحت سلمى أن تكون المكالمة 10 دقائق فقط، لأن المدة القصيرة تمنحهما مخرجاً إذا تحول الصمت إلى عبء. وافقت مها لأنها لم تكن واثقة من قدرتها على سماع صوت أختها أكثر من ذلك.

في الأحد الأول تحدثتا عن الطقس. قالت سلمى إن المطر لم يتوقف في مدينتها منذ يومين. قالت مها إن شرفتها جافة رغم أن النشرة وعدت بالمطر. كان الحوار يبدو كحديث شخصين ينتظران المصعد. ومع ذلك، عندما رن المؤقت بعد 10 دقائق، شعرت مها بأن شيئاً انقطع قبل أن يكتمل.

في الأحد الثاني تحدثتا عن النباتات. اكتشفت سلمى أن مها ما تزال تحتفظ بنبتة الريحان التي كان أبوهما يصر على وضعها قرب نافذة المطبخ. ضحكت وقالت: «كان يسقيها كأنها فرد ثالث في العائلة.»

توقفتا معاً. كانتا هما الفردين الأول والثاني، والجملة اقتربت أكثر مما ينبغي من المنطقة الممنوعة.

قالت مها: «بقيت دقيقة.»

قالت سلمى: «أخبريني عن الشرفة.»

وفي الأحد الثالث ساد الصمت 4 دقائق كاملة. سمعت مها مروحة سقف في بيت سلمى، وسمعت سلمى سيارة تمر تحت نافذة مها. ثم قالتا في اللحظة نفسها: «هل ما زلت هناك؟» فضحكتا. كانت أول ضحكة مشتركة منذ سنوات، ولهذا لم تعرف أي منهما كيف تتصرف بعدها.

أنهت مها المكالمة عند الدقيقة العاشرة تماماً، ثم بقيت تحدق في الشاشة المظلمة. لم تكن سعيدة، ولم تكن حزينة. كانت فقط تشعر بأن صوتاً كان غائباً عن حياتها عاد ليحتل مكاناً صغيراً فيها.

اليوم الذي لم تتحدثا عنه

كان الخلاف القديم بسيطاً في بدايته، وهذا ما جعله أكثر قسوة. حين مرض أبوهما، كانت مها تعمل في المدينة نفسها وتزوره كل يوم تقريباً. أما سلمى فقد حصلت في ذلك الوقت على وظيفة كانت تنتظرها منذ سنوات في مدينة بعيدة. لم يكن المرض يبدو خطيراً أول الأمر، وأصر الأب نفسه على أن تسافر.

قال لها يومها: «إذا بقيت من أجلي سأغضب، وإذا نجحت سأتباهى بك أمام كل من لا يريد الاستماع.»

سافرت سلمى.

بعد شهر تدهورت حالته بسرعة. كانت مها ترسل تحديثات قصيرة: «اليوم أفضل»، «الطبيب غيّر الدواء»، «لا تقلقي». لم تكن تريد أن تخيف أختها، لكنها في داخلها كانت تريد منها أن تفهم ما لا تقوله: عودي.

أما سلمى فقرأت الرسائل كما كُتبت. إذا كان الوضع تحت السيطرة، فلماذا تهدم فرصة عملها؟ كانت تتصل بأبيها، فيقول لها إنه بخير، ثم يغير الموضوع ويسأل عن مكتبها الجديد.

في آخر أسبوع دخل المستشفى. أرسلت مها: «الوضع أصعب هذه المرة.» لم تقل: «تعالي الآن.» ولم تقل: «قد لا يكون لدينا وقت.» كانت غاضبة من اضطرارها إلى طلب شيء اعتقدت أن أختها يجب أن تعرفه وحدها.

حجزت سلمى رحلة مساء الجمعة. ألغيت بسبب عاصفة. حجزت أخرى صباح السبت، وتأخرت. حاولت الاتصال بمها مراراً، لكن الرقم الذي كانت تستخدمه لم يعد يعمل. لم تكن تعرف أن مها غيّرت رقمها قبل شهر بعد مشكلة في الخط، وأن رسالة التحديث أُرسلت من تطبيق لم يعرض الرقم الجديد بوضوح.

مات الأب فجر الأحد.

وصلت سلمى بعد الظهر.

في الممر خارج غرفة المستشفى قالت مها جملة واحدة: «الآن وصلتِ؟»

ردت سلمى، وهي تحمل حقيبتها ولم تنم منذ يومين: «حاولت.»

قالت مها: «لم يكن كافياً.»

كان يمكن لجملة ثالثة أن تغير كل شيء. لم تأتِ.

أيام الأحد التي بدأت تكبر

بعد شهر من المكالمات، بدأت التفاصيل الصغيرة تتسلل بينهما. عرفت مها أن سلمى غيرت عملها مرتين، وأنها لم تعد تشرب القهوة بعد الظهر لأنها لا تنام. عرفت سلمى أن مها باعت سيارتها القديمة، وأنها تعلمت صنع الخبز في الشتاء، وأنها تكره المكالمات المفاجئة.

كانتا تتجنبان الحديث عن الأب، لكن وجوده كان واضحاً في كل شيء. إذا ذكرت إحداهما وصفة، عرفتا من علمهما إياها. إذا تحدثتا عن مدينة، تذكرتا رحلة قديمة. حتى صمتهما كان يحمل طريقته في الانتظار قبل أن يجيب.

في الأحد السادس تأخرت سلمى 17 دقيقة. جلست مها قرب الهاتف، وكل دقيقة تعيد إليها شعوراً قديماً: ها هي تختار شيئاً آخر مرة أخرى.

عندما اتصلت سلمى أخيراً قالت إن اجتماعاً امتد بلا توقع.

قالت مها ببرود: «لا مشكلة.»

عرفت سلمى أن هناك مشكلة.

كان من السهل أن تعتذر وتنهي المكالمة، لكنهما كانتا قد بدأتا تفهمان أن الكلمات المهذبة يمكن أن تكون أبواباً مغلقة أيضاً.

قالت سلمى: «هل تريدين أن تقولي إنك غضبت؟»

نظرت مها إلى المؤقت. بقيت 8 دقائق.

قالت: «غضبت. لكن لا أريد أن أجعل كل تأخير نسخة من الماضي.»

ردت سلمى: «وأنا لا أريد أن أتصرف كأن الماضي لا يجعل التأخير مختلفاً بالنسبة إليك.»

كانت تلك أول مرة تقتربان فيها من الخلاف من دون أن تسميانه. لم تحلا شيئاً، لكن مها لاحظت بعد المكالمة أنها لم تمضِ الليل في صياغة ردود متأخرة داخل رأسها.

السؤال المخالف للقواعد

بعد شهرين، وفي مكالمة بدت عادية تماماً، سألت سلمى فجأة: «هل كنت وحدك في الليلة الأخيرة؟»

توقفت مها عن تحريك ملعقتها.

كان السؤال عن اليوم الممنوع. وكان يحق لها، وفق قواعدهما، أن تقول إن الوقت انتهى وتغلق الهاتف. فكرت في ذلك فعلاً.

لكنها قالت: «نعم.»

لم تقل سلمى شيئاً.

تابعت مها: «نام قليلاً. استيقظ قبل الفجر وسأل إن كنت وصلتِ. قلت له إن رحلتك تأخرت. قال إنك ستأتين.»

جاء صوت سلمى أضعف: «كنت في المطار.»

قالت مها: «لم أكن أعرف.»

قالت سلمى إنها حاولت العودة منذ مساء الجمعة. وإنها أرسلت 12 رسالة إلى مها: تحديثات عن الرحلة، صورة لبوابة المطار، سؤالاً عن حالة أبيهما، ثم رسالة أخيرة كتبت فيها: «سأصل بأي طريقة. فقط أخبريني ماذا يحدث.»

قالت مها: «لم ترسلي شيئاً.»

نهضت سلمى أثناء المكالمة. سمعتها مها تفتح أدراجاً وتبحث. بعد دقائق قالت إنها وجدت هاتفها القديم. شحنته وهي على الخط، وانتظرتا بصمت حتى اشتغل.

قرأت سلمى الرقم الذي أرسلت إليه.

عرفته مها فوراً. كان رقمها السابق، الذي أغلقته قبل مرض أبيهما بشهر.

قالت سلمى: «كنت أظن أنك ترين الرسائل ولا تردين.»

قالت مها: «وأنا كنت أظن أنك لا تحاولين أصلاً.»

لم تكن الحقيقة مريحة كما تخيلتا. لم تجعل أي واحدة بريئة. سلمى اختارت في البداية البقاء في عملها حين كان يمكنها أن تزور أكثر. ومها أخفت خطورة الوضع خلف رسائل مطمئنة لأنها أرادت من أختها أن تستنتج حاجتها إليها. لكن 7 سنوات من الصمت لم تكن دليلاً على غياب الحب كما اعتقدتا؛ كان جزء كبير منها مبنياً على رسائل ذهبت إلى هاتف ميت، وعلى شخصين صدقا أسوأ تفسير لأنهما كانتا مجروحتين بما يكفي لتصديقه.

ما لا يصلحه الاعتذار وحده

قالت سلمى: «أنا آسفة لأنني لم أجد طريقاً آخر للوصول إليك.»

قالت مها: «وأنا آسفة لأنني أردت منك أن تعرفي ما أحتاجه من دون أن أقوله.»

تجاوزت المكالمة 10 دقائق. رن المؤقت، فأوقفته مها من دون تعليق.

تحدثتا عن الليلة الأخيرة، وعن خوف مها وهي توقع أوراق المستشفى وحدها، وعن غضبها حين رأت سلمى تدخل بعد فوات الوقت. تحدثت سلمى عن المطار وعن شعورها بأنها دائماً الابنة التي تصل متأخرة، حتى حين تبذل كل ما تستطيع.

قالت مها: «كنت أريد أن أعاقبك لأنني كنت وحدي.»

قالت سلمى: «وأنا جعلت غضبك دليلاً على أنك لا تريدينني، لأن ذلك كان أسهل من الاعتراف بأنني أشعر بالذنب.»

لم تحاولا الاتفاق على نسخة واحدة من الماضي. كان لكل منهما يوم مختلف رغم أنه اليوم نفسه. للمرة الأولى استمعت كل واحدة إلى النسخة التي عاشت فيها الأخرى.

استمرت المكالمة ساعة و12 دقيقة.

وفي الأحد التالي لم تتصل أي منهما.

الأحد الذي مر بلا مكالمة

عند 8 إلا خمس دقائق وضعت مها الهاتف أمامها. عند الثامنة لم يرن. عند الثامنة وعشر دقائق قالت لنفسها إن القاعدة سقطت عندما تجاوزتا الوقت في الأسبوع السابق. عند الثامنة والنصف بدأت تشعر أن الصراحة أنهت التجربة.

كان بإمكانها الاتصال. لم تفعل.

وفي مدينة أخرى كانت سلمى تنظر إلى الهاتف للسبب نفسه. ظنت أن مها تحتاج إلى مساحة، وخافت أن يكون اتصالها اقتحاماً. عادت كل واحدة منهما، خلال نصف ساعة فقط، إلى عادتهما القديمة: تفسير الصمت بدلاً من سؤاله.

مر الأحد.

صباح الثلاثاء وصل إلى مها طرد صغير. كان فيه دفتر أبيهما بعد أن رممته سلمى. أصلحت الغلاف المتشقق ووضعت بين صفحاته ورقاً رقيقاً لحماية الصور. في الصفحة الأخيرة لصقت صورتين لهما وهما صغيرتان: واحدة على شاطئ، وأخرى أمام كعكة ميلاد مائلة.

وتحت الصور كتبت: «لا أريد أن نعود كما كنا. أريد أن نعرف من صرنا.»

اتصلت مها فوراً.

قالت سلمى بعد أن ردت: «اليوم الثلاثاء.»

قالت مها: «أعرف. يبدو أننا نحتاج إلى قاعدة رابعة.»

قالت سلمى: «ما هي؟»

قالت: «إذا خفتِ من الاتصال، اتصلي.»

اللقاء الأول بعد 7 سنوات

بعد 3 أشهر اتفقتا على اللقاء في مقهى يقع تقريباً في منتصف الطريق بين مدينتيهما. وصلت مها قبل الموعد بـ20 دقيقة، ثم ندمت لأنها منحت نفسها وقتاً طويلاً للتفكير. رتبت الملعقة بجوار الفنجان، نقلتها، ثم أعادتها.

دخلت سلمى تحمل معطفاً رمادياً وحقيبة صغيرة. تعرفت مها إلى مشيتها قبل وجهها.

لم تركضا إلى عناق سينمائي. وقفتا لحظة أطول من الطبيعي، ثم قالت سلمى: «شعرك أقصر.»

قالت مها: «وشعرك فيه خصل بيضاء.»

ضحكت سلمى: «شكراً على البداية اللطيفة.»

جلستا.

تحدثتا عن الطريق والشاي والمكان المزدحم. وبعد نصف ساعة أخرجت مها من حقيبتها مفتاحاً نحاسياً ووضعته على الطاولة.

قالت: «مفتاح بيت أبي. لم أستطع إنهاء فرز أغراضه وحدي.»

لم تقل: «ساعديني.» لكن هذه المرة فهمت سلمى، ثم حرصت ألا تعتمد على الفهم وحده.

سألت: «هل تريدين أن نذهب معاً؟»

قالت مها: «نعم.»

بيت بقي ينتظر الاثنتين

ذهبتا في نهاية الأسبوع التالي. كان البيت يحمل رائحة الغرف المغلقة والغبار والخشب القديم. فتحت مها النوافذ، بينما وقفت سلمى في الممر كأنها تزور مكاناً تعرفه ولا تعرف إن كان يرحب بها.

بدأتا بالمطبخ لأنه أقل قسوة من غرفة النوم. احتفظتا ببعض الأكواب والكتب، وتبرعتا بالملابس، واختلفتا على إبريق شاي قديم.

قالت مها: «خُذيه أنت.»

قالت سلمى: «كنت سأقول الشيء نفسه.»

اكتشفتا بعد دقيقة أن كل واحدة تريد أن تعطيه للأخرى، فضحكتا حتى اضطرت مها إلى الجلوس.

لكن اليوم لم يكن كله خفيفاً. في درج المكتب وجدتا ملف المستشفى. تجمدت مها. مدت سلمى يدها نحوه، فقالت مها بسرعة: «ليس الآن.»

سحبت سلمى يدها.

قبل سنوات كانت ستعتبر النبرة اتهاماً. هذه المرة قالت فقط: «حسناً. عندما تريدين.»

بعد ساعتين حملت مها الملف بنفسها إلى الصالة.

قرأتا الأوراق معاً. وجدت سلمى في صفحة الدخول رقم اتصال مها القديم. فهمتا كيف استمر الخطأ: المستشفى نفسه كان يملك الرقم السابق، وربما اتصل به أحد حين ساءت الحالة. لم يكن الاكتشاف دليلاً جديداً على البراءة، لكنه كشف لهما كيف يمكن لتفصيل صغير أن يتحول إلى قصة كاملة إذا لم يسأل أحد.

علاقة جديدة لا نسخة قديمة

استمرت مكالمات الأحد، لكنهما ألغتا المؤقت والقواعد الثلاث. أحياناً تحدثتا ساعة، وأحياناً دقيقتين. لم تصبحا متفقتين دائماً، ولم يختف الألم. صار بينهما فقط شيء أهم من الاتفاق: طريق مفتوح يمكن أن تعبرا منه قبل أن يحكم الصمت.

كان عليهما تعلم تفاصيل لم تعرفاها عن بعضهما. مها تحب أن تُسأل قبل تلقي النصيحة. سلمى تختفي عندما تشعر بالخجل، لا عندما لا تهتم. مها تحتاج إلى وقت قبل الإجابة عن سؤال مؤلم. سلمى تفسر الجمل القصيرة على أنها غضب إذا لم تعرف السياق.

اتفقتا على سؤال يوقف سوء الفهم: «ما الذي تقصدينه الآن؟»

بدا السؤال ثقيلاً أول مرة. ثم صار جسراً قصيراً يمنع كل واحدة من إكمال كلام الأخرى في رأسها.

جاء أول اختبار الحقيقي عندما اعتذرت سلمى عن زيارة بسبب مشروع طارئ في العمل. شعرت مها بالغضب القديم يصعد فوراً. كتبت: «طبعاً، العمل أولاً كالعادة.» ظلت الجملة على الشاشة دقيقة كاملة.

ثم حذفتها واتصلت.

قالت: «أعرف أن هذا ليس ما حدث قبل 7 سنوات، لكن جسمي يتصرف كأنه الشيء نفسه.»

لم تدافع سلمى عن جدولها. قالت: «أفهم. أستطيع أن آتي الأسبوع المقبل، وسأحجز الآن إذا كان ذلك يساعد.»

حجزت التذكرة أثناء المكالمة.

لم يختف خوف مها، لكنه لم يتحول إلى 7 سنوات جديدة.

وفي مرة أخرى تأخرت مها عن مكالمة الأحد ولم تجب. شعرت سلمى بالقلق، ثم كتبت: «أفترض أنك مشغولة، لا أنك ترفضينني. اتصلي عندما تستطيعين.»

قرأت مها العبارة مرتين عندما عادت إلى هاتفها. كان هذا بالضبط ما عجزتا عنه قديماً: ترك مساحة لتفسير رحيم من دون إنكار القلق.

حدود لا تهدم المصالحة

لم تعتبر أي منهما المصالحة واجباً عائلياً يمحو الحدود. حين سألت سلمى مرة عن تفاصيل الأيام الأخيرة في المستشفى، قالت مها إنها لا تستطيع الحديث عنها تلك الليلة. لم تغضب سلمى. وحين حاولت مها تقديم نصيحة عن قرار مهني، قالت سلمى: «أحتاج أن تسمعيني فقط.» فتوقفت مها.

اكتشفتا أن القرب لا يعني الحق في كل شيء. يمكن إنهاء حديث مؤلم والعودة إليه لاحقاً. يمكن رفض سؤال. يمكن قول «أنا غاضبة» من دون تهديد العلاقة. ويمكن أن تختلفا في تفسير الماضي من دون أن تتحول إحداهما إلى متهمة والأخرى إلى قاضية.

في أحد الأيام أرسلت سلمى صورة من مكتبها الجديد. على الرف كان إبريق أبيهما القديم.

كتبت مها: «خائنة. قلت لك خذيه أنت ثم أخذته فعلاً.»

ردت سلمى: «لدي شاهد أنك عرضته.»

ثم أضافت بعد دقيقة: «سأعيده إذا كنت تريدينه.»

كتبت مها: «لا. فقط كنت أختبر قدرتنا على الشجار في موضوع آمن.»

كانت تلك المرة الأولى التي تستخدمان فيها كلمة «شجار» وتضحكان.

ذكرى الوفاة

حين اقتربت ذكرى وفاة أبيهما، اتفقتا على قضاء اليوم معاً في البيت القديم قبل تسليمه للمشتري الجديد. لم تخططا لطقس خاص. أحضرت مها طعاماً، وأحضرت سلمى صندوق الصور.

عند الغروب جلستا على الشرفة التي كان أبوهما يصلح فيها الأشياء أكثر مما يجلس. أخرجت مها هاتفها.

قالت: «ما زلت أحتفظ برقمه.»

قالت سلمى: «وأنا أيضاً.»

اتصلتا به من هاتف مها. توقعتا أن يكون الرقم قد ألغي، لكن خدمة البريد الصوتي القديمة أجابت. جاء صوته في التحية المسجلة واضحاً ومعتاداً إلى درجة جعلتهما تتوقفان عن التنفس للحظة.

استمعتا حتى النهاية.

لم تعيدا الاتصال.

قالت سلمى: «كان محقاً. تركنا الوقت يقرر.»

أغلقت مها الهاتف وقالت: «لكننا لم نتركه يحتفظ بالقرار.»

بعد عام

لم تعد حياتهما تدور حول إصلاح الماضي. وهذا، بالنسبة إلى مها، كان العلامة الأوضح على أن شيئاً تغير. صارت المكالمات تتضمن أشياء سخيفة: وصفة فاشلة، جاراً يضع موسيقى مرتفعة، حذاء اشترته سلمى ثم ندمت عليه. لم يعد كل اتصال جلسة مصالحة.

وفي الوقت نفسه لم تتوقفا عن مراجعة ما حدث. اكتشفت مها أنها استخدمت الصمت طوال حياتها لتختبر محبة الآخرين: إذا كانوا يهتمون فسيعرفون ما تريد. واكتشفت سلمى أنها كانت تهرب إلى الانشغال كلما شعرت بأنها خيبت أحداً، ثم تسمي الهرب «إعطاء مساحة».

لم تعالجا هاتين العادتين بجملة واحدة. أخطأتا مرات. اعتذرتا مرات. وفي بعض الأسابيع عادتا إلى الصمت لساعات أو أيام، لكنهما لم تعودا تمنحانه سلطة تفسير نفسه.

بعد عام من أول مكالمة فتحت مها دفتر أبيها عند الجملة التي بدأت كل شيء. تحت «لا تدعا الوقت يقرر بدلاً منكما» كتبت بخطها:

«الوقت لا يقرر وحده، لكنه يثبت القرارات التي لا نراجعها.»

صورت الصفحة وأرسلتها إلى سلمى يوم أحد عند 7:58 مساءً.

جاء الرد فوراً: «فلسفة كثيرة قبل الموعد بدقيقتين.»

ثم رسالة ثانية: «اتصلي. لدي أكثر من 10 دقائق.»

ضغطت مها زر الاتصال.

هذه المرة لم تضبط مؤقتاً.

شارك المقال