الساعة التي لم تتأخر

في الساعة 5:40 من صباح 18 نوفمبر، طلب نديم قهوتين وجلس إلى الطاولة نفسها للعام 12.
وضع الكوب الثاني أمام المقعد الخالي، وعدل الملعقة حتى صارت موازية لحافة الصحن. لم يعد النادل يسأله إن كان ينتظر أحداً. الموظفون الجدد فقط يرمقونه بنظرة سريعة ثم يتعلمون القاعدة من القدامى: لا ترفعوا الكوب الثاني قبل 6:15.
كان القطار الذي انتظره أول مرة قد ألغي منذ زمن، ثم تغير رقمه، ثم أُزيل الخط كله من الجدول. لكن ساعة المقهى بقيت على الجدار، متقدمة دقيقة واحدة عن الوقت الصحيح كما كانت دائماً.
قبل 12 عاماً قالت له رنا: «إذا قررت أن تأتي، سأكون عند المقهى قبل السادسة.»
قال لها إنه سيأتي.
وصل عند 6:20، ولم يجدها.
منذ ذلك اليوم بنى حياته حول 20 دقيقة. قال إنها تأخرت، ثم قال إنها غيرت رأيها، ثم قال إنها اختارت مدينة أخرى. لم يتصل بها لأن كرامته كانت، في روايته، الشيء الوحيد الذي وصل في موعده.
في السنة الأولى كان يسأل عن حركة القطارات، مع أنه يعرف أنها لن تأتي في قطار آخر. في السنة الثالثة صار يترك هاتفه على الطاولة كمن ينتظر اتصالاً. وفي السنة السابعة أغلقه تماماً، وقال للنادل إن بعض الصباحات ينبغي أن تبقى كما بدأت. أحب العبارة لأنها بدت وفية، ولم يسأل نفسه لمن كان وفاؤه.
كان آخر ما يفعله قبل مغادرة البيت أن يختار المعطف الأغمق. المعطف القديم تلف منذ زمن، لكنه بقي يكره الألوان الفاتحة في ذلك اليوم. حين رأى مرة شاباً يساعد رفيقته على حمل حقيبة كبيرة، غادر المقهى قبل 6:15. أخبر نفسه أن الضجيج أفسد المكان. لم يتذكر الضجيج بعد ذلك؛ تذكر يد الشاب فوق مقبض الحقيبة.
هذا العام وقف نادل جديد بجانب طاولته، وسأله: «هل أترك الحليب مع الكوبين؟» كاد نديم يجيب كما اعتاد، ثم اكتشف أنه لا يعرف كيف تشرب رنا قهوتها الآن. كان يعرف مقدار السكر الذي أحبته وهي في الرابعة والعشرين. أما المرأة التي صارت إليها، فلم يعرف عنها شيئاً. أبعد الحليب وقال: «اتركه هنا.»
نظر إلى زجاج النافذة. انعكس وجهه فوق الرصيف الخالي، ولم ير الشاب الذي ينتظره في ذاكرته. رأى رجلاً يزداد عمره كل عام، بينما يطلب من صباح واحد أن يظل في مكانه.
الصندوق الرمادي
عند 5:55 اقترب منه رجل يرتدي زي المحطة القديم، يحمل صندوقاً معدنياً صغيراً.
قال: «أنت نديم شوقي؟»
تجمدت يد نديم حول الفنجان.
جلس الرجل من دون دعوة ووضع الصندوق بينهما. عرّف نفسه: سامح، آخر موظف من فريق المحطة قبل تجديدها. كانوا يفرغون المخزن السفلي، ووجدوا أشياء لم تدخل النظام الرقمي.
فتح الصندوق. في داخله وشاح بلون الصدأ، كاميرا صغيرة، محفظة قماشية، وساعة يد مكسورة.
عرف نديم الوشاح قبل أن يلمسه.
قال: «هذه أشياء رنا.»
أخرج سامح بطاقة ورقية باهتة مربوطة بالخيط. كُتب عليها: «عُثر عليها في الرصيف 3، الساعة 5:52».
قال نديم: «إذن كانت هنا.»
لم يشعر بالفرح. شعر بأن 12 عاماً من الغضب فقدت توازنها فجأة.
سأل: «ماذا حدث لها؟»
قال سامح إنه لا يعرف. في ذلك الصباح وقع عطل كهربائي، وأُخلي جزء من الرصيف بعد تسرب ماء من السقف. نُقلت الحقائب المتروكة إلى المخزن على عجل. ظلت هذه المجموعة بلا اسم واضح لأن المحفظة لم تحتوِ بطاقة هوية.
لكن الكاميرا احتوت بطاقة ذاكرة.
الصور التي تبدأ من النهاية
أحضر سامح حاسوباً قديماً من مكتب المحطة. ظهرت الصور بترتيب زمني. رنا أمام مدخل المحطة والسماء لا تزال مظلمة. رنا تحمل كوبين. رنا تلتقط صورة لساعة المقهى عند 5:31.
قال نديم: «كانت تنتظرني.»
الصورة التالية التُقطت من داخل المقهى. كان المقعد الذي يجلس عليه نديم الآن ظاهراً، والكوبان على الطاولة. ثم صورة للرصيف. ثم صورة مهزوزة لرجل يركض قرب البوابة، لا يظهر وجهه.
كبر نديم الصورة. المعطف يشبه معطفه القديم.
قال: «هذا ليس أنا. وصلت بعد السادسة.»
لم يرد سامح. انتقل إلى ملف فيديو مدته 18 ثانية.
ظهر باب المقهى. دخل رجل شاب مسرعاً، توقف أمام رنا، ثم جلس. لم يظهر وجهه للكاميرا، لكن صوته كان واضحاً.
صوت نديم.
قال في التسجيل: «لا أستطيع السفر معك. جئت لأقولها فقط.»
انقطع الفيديو.
رفع نديم عينيه. كان المقهى من حوله صامتاً رغم صوت آلة القهوة.
قال: «هذا مركب. أنا لم أصل.»
دفع سامح الساعة المكسورة نحوه. على ظهرها نقش صغير: «إلى نديم، كي لا يجعل الخوف يتكلم قبله.»
مد يده إلى الحاسوب ليعيد المقطع، ثم تركها معلقة فوق الطاولة. أراد أن يسمع جملة أخرى بعد الجملة، أي شيء يجعل رفضه أقل نهائية. لكن التسجيل توقف في الموضع نفسه. طلب من سامح أن يعيده مرة ثالثة، فخفض الرجل الصوت وقال: «يمكنك أخذ نسخة. ليس عليك أن تشاهده كله الآن.»
أزعجه لطفه. لو اتهمه لوجد دفاعاً، ولو قال إن الكاميرا تخطئ لأمسك بالكلمة. أما أن يترك له مساحة، فقد جعله يشعر بثقل الكرسي تحته. في طرف الشاشة رأى يد رنا تتحرك إلى الوشاح. عرف الحركة قبل أن يعرف سببها: كانت تسحب طرفه بين إصبعين عندما تحاول ألا تقاطع من يتحدث.
قال: «كانت ستسألني إن كنت خائفاً.»
سأله سامح: «وهل سألتك؟»
لم يجب. عاد إليه صوتها من مكان أقدم من الفيديو: «لا نحتاج أن نقرر حياتنا كلها اليوم. تعال وشاهد المكان أسبوعاً.» كان قد حذف هذا الاقتراح من روايته أيضاً. جعل السفر قفزة لا رجوع منها كي يبدو رفضه حذراً معقولاً، وجعل مغادرتها حكماً عليه كي لا يرى أنه تركها تختار وحدها.
الذاكرة التي خدمت صاحبها
تذكر نديم المعطف. تذكر المطر. تذكر أنه وقف خارج المحطة قبل الخامسة والنصف، وأنه رأى رنا من الزجاج. تذكر مكالمة والده في الليلة السابقة، وتحذيره من ترك الوظيفة والسفر خلف مشروع غير مضمون.
ثم تذكر الجملة التي قالها لرنا.
لم يتأخر.
وصل مبكراً، قال إنه لن يسافر، وخرج قبل أن تبدأ الفوضى في الرصيف. عاد بعد 6:20 لأنه ندم، فلم يجدها. وعندما سأله صديق لاحقاً، قال إنه وصل متأخراً. تكررت الجملة حتى ابتلعت ما قبلها.
سأل سامح: «كيف استطعت أن أرويها هكذا كل هذه السنوات؟»
قال سامح: «لا أعرف. أنا لم أكن معك. لكنك الآن سمعت ما قلته لها.»
وجدوا داخل المحفظة ورقة مطوية لم تُرسل. كانت بخط رنا:
«نديم، إذا عدت فلن تجدني هنا. ليس لأنك تأخرت، بل لأنك حضرت لتودع القرار قبل أن تمنحه فرصة. سأذهب وحدي. وإذا غيرت رأيك يوماً، لا تنتظرني في المحطة. ابحث عني حيث ذهبت.»
في أسفل الورقة اسم مدينة ساحلية وعنوان ورشة تصوير.
الكوب الثاني
كان العنوان قديماً، لكن البحث عنه قاد إلى صفحة معرض صور يحمل اسم رنا. آخر تحديث قبل أسبوعين. صورة الواجهة تعرض امرأة تقف أمام البحر، أكبر سناً بالطبع، لكنها هي.
فتح قائمة الأسماء في هاتفه بحثاً عن صديقه القديم. وصل إلى زر الاتصال ثم توقف. طوال سنوات كان ذلك الصديق يسمع الحكاية نفسها: محطة، تأخر، امرأة ذهبت من دون وداع. أراد نديم أن يقول له إنه اكتشف شيئاً غريباً، وأن يحمل الخطأ إلى الكاميرا أو إلى ذاكرته. أغلق القائمة. إذا بدأ بتخفيف الحقيقة أمام شاهد قديم، فسيصل إلى رنا بنسخة جديدة من الكذب.
أخرج ورقة من جيبه وكتب سطرين. في الأول: «خفت من أن أفشل.» وفي الثاني: «قلت لها إنني لن آتي.» بقي ينظر إلى الفرق بينهما. الأول يشرح ما شعر به؛ الثاني يصف ما فعله. لم يكن عليه أن يختار أحدهما ويلغي الآخر. طوى الورقة ووضعها تحت الساعة المكسورة، ثم أمسك الهاتف.
كتب نديم رسالة طويلة، ثم حذفها. كتب اعتذاراً يشرح ضغط العائلة وخوفه، ثم حذفه أيضاً. أخيراً أرسل:
«كنت في المحطة. قلت إنني لم أصل، وصدقت ذلك سنوات. وجدت رسالتك اليوم. أنا آسف لأنني جعلتك تحملين قراري ثم حملتك غيابي أيضاً. لا أطلب شيئاً، لكنني أردت أن تعرفي أنني تذكرت الحقيقة.»
ظل ينظر إلى الشاشة. لم يظهر رد.
عند 6:15 جاء النادل ليرفع الكوب الثاني كعادته.
أوقفه نديم، ثم دفع الكوب نحو سامح.
قال: «اشربه. لا ينبغي أن يبرد مرة أخرى من أجل شخص غير موجود.»
بعد ساعة، وهو يغادر المحطة للمرة الأولى قبل الظهر، اهتز هاتفه.
رسالة من رنا: «كنت أتساءل متى ستصل إلى ذلك الصباح. لا أستطيع إعادة ما مضى، لكن يمكننا التحدث. ليس في محطة.»
رفع نديم رأسه إلى الساعة الكبيرة. كانت تشير إلى 7:22، متقدمة دقيقة كعادتها.
ابتسم. طوال 12 عاماً اتهم الساعة والقطار ورنا بالتأخر. وحدها الساعة لم تتأخر. كانت تشير دائماً إلى الوقت الذي اختار ألا يراه.
المحادثة التي لم تكن موعداً
اتفقا على مكالمة بعد 3 أيام. لم تسأله رنا لماذا لم يلحق بها، بل لماذا جاء كل عام إلى المحطة بدلاً من البحث عن عنوانها.
قال نديم: «لأن الانتظار جعلني الشخص الذي ظُلم. البحث كان سيجبرني على احتمال أن أجدك، وأن أسمع ما فعلته.»
قالت إن حياتها لم تتوقف عند ذلك الصباح. سافرت، وفشلت ورشتها الأولى، وبدأت من جديد. لم تكن المرأة الجالسة في ذاكرته تنتظر تفسيره 12 عاماً.
شعر بالخجل، لكنه هذه المرة لم يحوله إلى دفاع. أخبرها عن الصندوق، فضحكت عندما ذكر الساعة وقالت إنها اشترتها من سوق رخيص وإن النقش كلف أكثر منها.
أرسل إليها الوشاح والكاميرا والرسالة الأصلية. واحتفظ بالساعة بإذنها لأنها قالت إن الوقت الذي أصلحه لا يحتاج إلى جهاز يعمل.
لم يتفقا على إعادة علاقة قديمة. اتفقا على لقاء واحد في المدينة الساحلية بعد شهر، ظهراً، في معرضها المفتوح، حيث لا قطار ينتظر أحداً ولا مقعد يبقى محجوزاً لقصة متخيلة.
في يوم المعرض وصل نديم قبل الظهر بربع ساعة. بقي عند الباب حتى فتحت رنا بنفسها، ثم قال إنه يستطيع العودة في الموعد إذا كانت لم تستعد. ضحكت وقالت إن الربع ساعة يصلح لمساعدتها في رفع صندوق الكتيبات. حمله إلى الطاولة، ولم يحاول تحويل الحركة الصغيرة إلى علامة على بداية جديدة.
توقف أمام صورة لكرسي خشبي على شرفة تطل على البحر. سألها متى التقطتها. قالت: «بعد إغلاق الورشة الأولى. كان صاحب البيت يريد الكرسي، وأنا كنت أريد الصورة قبل أن يأخذه.» لم تكن الصورة عن انتظار رجل، ولا عن محطة. كانت عن حياة لم يحضرها، وعن خسارة تعلمت التعامل معها من دونه.
عندما دخل الزوار ابتعد عن المكتب وتركها تستقبلهم. سمعها تشرح صورة، ثم تختلف مع زائر حول الضوء، ثم تنادي مساعدتها باسم لم يسمعه من قبل. للمرة الأولى لم ير رنا في نهاية قصته، بل في وسط قصتها هي. وحين أشارت إليه أن يقترب، اقترب من دون أن يعد الدقائق.









التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه.
لإضافة تعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب. يمكنك قراءة التعليقات دون تسجيل الدخول.